د . فاروق مواسي

 

 

 

 

مــــرايـــــــــا

وحكــــايــــــا

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

د. فاروق مواسي

 

مـــــرايـــــــــا

وحـــكـــايـــــا

 

قصص قصيرة جدًا

 

إصدار:

دار آسيا للصحافة والنشر

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

 

2006

 

استهلال

 

يا قارئي !

إن سمحت لي أن أقدم نفسي  !

 

أريد من قصتي  أن تشي ، أن تهمس ، أن  تنقل ...أن تحرك.... أن تجتاز  إلى مناطق مختلفة .

أن أقص قصة فهذا  اضطرار  ، تمامًا كما قلت عن كتابتي - عامة  :

أكتب لأنني مضطر أن أكتب ، وليس ترفًا أو طواعية ..... فالقاص فيَّ  أسوة بالشاعر والناقد مشوق للقص ، يبغيه ،

" يموت " حتى يحكيه ...

عندما تكون لدي قصة أسأل نفسي : لماذا أقص ، ولماذا الآن ، ولماذا لهؤلاء ....

فإذا لم أجد جوابًا شافيًا فهذا يعني أن القصة ليست بمستوى ...

أسأل  نفسي ما جدوى القصة لدى المتلقين ، فإن لم تكن ثمة  جدوى فلن يقبل علي أحد فيما بعد ....

بالطبع سأجعل من النهاية المفتوحة مثار نقاش ، وسيلة تفكير ومتعة ....

أختار أنا الراوي وأكون حميمًا له ، فليس بالضرورة أن يكون هذا إياي ، ولكنه من الضروري أن يكون قريبًا مني جدًا   ، فقصتي تنطلق من ساحتي الذاتية  ، وهي صلاتي  ونسكي بطريقتي ....

هناك محاور تتصل -  كما  أراها -  بكتّاب القصة :

أنت قدرتك وشخصيتك راويًا ، وعليك تبعًا لذلك تطوير هذه القدرة وتثقيف النفس بالخبرة  المتعددة المصادر  ...

الجمهور ، حيث لا ننس أن القصة هي حوار اجتماعي ، ومن هذا الحوار يتولد التغيير ، ولو بطيئًا  ...

القص ، وهو مسرحيد درامي بصورة أو بأخرى ، وتتسع أبواب القصة  في تكثيفها  وطاقتها الكامنة فيها  ...

 

أما ق . ق. ج  فمن المفروض أن تعبر عن أحاسيس عفوية واعية  مقاربة للحياة  بألفتها وتواصلها ....

أعدكم أنني سأقتصد بكلماتي ، وأحاسب كل حرف قبل أن يدخل حرم قصصي ....

سأكثف ما وسعتني الحيلة حتى أجانب السطح ،ولن أستطرد وصفًا .....و قد أستبدل عنصرًا قصصيًا بآخر، فأستغني عن الزمان أو المكان أو السرد الوصفي  ، لكني سأرافق المفارقة وأهتز معها .. أو أعمد إلى  الدفــقة الختامية .....

وإذا كانت نتالي ساروت قد أصدرت أول مجموعة قصصية قصيرة جدًا سنة 1938 وسمتها ( انفعالات ) فها أنا أترسم الصيغة وأقدم انفعالات أخرى أو مرايا  ، فإن صحبتموني أدع لكم :

قراءة ممتعة !

 

فاروق مواسي



 

سمــك

 

سألته وهي تهاتفه : أي الطعام أحب إليك ؟

أجابها بلا تردد : سمك  !

ولم تكن تحب السمك ......

وألفت نفسها بعد أيام تكثر من شراء السمك  للعائلة  ، تقدمه مقليًا ومشويًا و تأكله  بشهية ....

وتساءلت العائلة : ما سر شراء السمك بهذا القدر ....ترى  هل رخص السمك ؟

 

 


 

الفيل وعزرائيل

 

انتفخ كثيرًا كثيرًا حتى أصبح فيلاً  ....

داس على بيوض الطيور .

ولما ضعف رقد لأول مرة على التراب ......وتضاءل كثيرًا كثيرًا حتى غدا مثقال  ذرة .

وكان هناك من يجلس على شجرة   ،

وينتظر ....وفي يده عود .

 

 


 

وردة الفرحان

 

ظلت وردة  الفرحان  تبيع الزهور  ، وتقدمه  وهي تبتسم لكل العشاق الذين يرتادون معرض  البيع   في البلدة  .

يشتري الناس ، ويمضون دون أن تسمع دعوة  لها .....

وفي المساء كانت تتساءل وما زال فوح الأزهار يعبق  :

ترى....... من أين سيشتري  ذلك الرجل البعيد  لي باقة زهر ؟

 

 

 

 


 

هناك أيضًا

 

قلت للشيخ وأنا أحاوره :

عندما تدخل الجنة  - بإذن الله وينعم عليك بالحور العين ....

قال مقاطعًا : الله يطعمنا ! ......فهل  يُسمح لي إذا أسعدني حظي -  وكنت هناك - أن أرمق بنظرة بانورامية هؤلاء الحور  ؟

ولنفرض أن نظرة حورية منهن متميزة سحرتني حقًا ، وأنستني سائر الحسان  التي أنعم الله بها علي وعليك  .... فما الحكم .........؟

-         أعوذ بالله ! ألا تعرف أنهن " حور مقصورات في الخيام "  ؟ !

-         وهناك أيضًا ؟؟!!!

 


 

لحظة التجّلــــي

 

قال لي صاحبي طه إنه يصلي لله ولا يقطع فرضًا  ، وهو في سجوده وبعد سبحان ربي الأعلى ثلاثًا يدعو الله أن يختار  له ميتته ، بحيث تحين  وهو  جالس ليحتسي كوب الشاي المفضل ، و يكون الشاي خفيقًا  والسكر ثقيلا .... وإذا شاء الله أن تكون ساعته  في ساعة نومه في القيلولة .... فلا بأس ......

أما  في بين السجدتين فهو يدعو الله أن يكون جزاؤه ساعة الحساب  :  أن يلمح  تلك التي حرم من رؤيتها في صدر عمره  مرة كل شهر أو حتى كل شهرين .......

قلت  لصاحبي طه : أما أنا فأتمنى أن تكون ساعتي -  التي كتب الله علي -   في لحظة تجلّ  ، وأما جزائي فأن يبقي لي لحظة التجلـــــي .

 


 

حدث بسرعة !

 

كان يمسك براحة يدها الحريرية فيحس بحرارتها وحنانها ...هي فراشة أم حرير أم قصيدة  من الشعر الصافي ؟

سألها  ، فأجابت وهي تغمض عينيها : أين القصيدة ؟  سأنتظرها .

وعندما أقدم ليطوق عنقها ويدنيها إلى صدره نفرت ، وخرجت غاضبة  ، ولتتهمه بسلوكه ........................

 

 


 

حكاية قديمة ....

 

كان يتوضأ ، فشكا لأولاده أن بغلة تنطلق من فم إبريق الوضوء . تعوّذ الأبناء  وحوقلوا  ، ونظر بعضهم إلى بعض .....

حاولوا إقناعه أن البغلة حجمها  كبير وفوهة الإبريق صغيرة  ، ولكنه أصر على  قوله  ، فهذا ما يراه .....وها هي البغلة أمامه يراها وهم لا يرونها .

وأقسم لهم أنه سليم العقل ، وهو ما زال يحفظ ما يحفظ ، ويعي أصول العادات ومنطق العبارات  ، وووو

لما رأى إنكار أبنائه الحاد  ركب البغلة ، و هام على وجهه  ......

 

 

 

 


 

إضراب ....

 

علاقتي  بالحمّام  حميمة  ،  أرى فيه هوايتي التي أستمتع بها . إلا أن هذا المكان الممتع لم يكن مرغوبًا أمس ، بل قاطعته  !  فقد عدت إلى البيت ورائحة العبق عالقة بملابسي ويديّ.... ولم تكن لديّ إمكانية للاتصال بك والاطمئنان عليك..... فوجدتني كلما قلقت قرّبت يديّ إلى وجهي ، فأشتمّ رائحة عطرك الساحر ثم أعيش احتضانك..

كانت ملابسي متّسخة ، ولكني لم أشأ تغيير بلوزتي التي علقت بها رائحتك ،    حتى الآن لم أغسلها ،  ولم أغسل  شالي الذي التقط تلك الرائحة المميزة . عزفت  حتى عن غسل يديّ لئلا تغادرها  تلك الرائحة المثيرة لحبي !وكم حزنت لأنها بعد فترة أخذت تتلاشى بين  يديّ .

ولكن هل تصدّق أنها المرة الأولى التي أنام فيها دون  أن أستحم ؟؟ وبسعادة ورضى أيضًا؟

لم أشعر برغبتي بالاغتسال أبدًا رغم حاجة جسدي لذلك .

في الصباح أحببت أن أرتدي تلك الرائحة ........

قال لي : ألم ترتدي هذه بالأمس ؟ أظنها تحتاج للغسيل والتنظيف ....

-        أظنها  !!


 

أين البسة ؟

 

كان مسؤولاً كبيرًا في دائرة  ،  وقد عُرفت عنه الرزانة والجدية ......

وكانت الموظفات أشكالاً وألوانًا  ....

غير أن إحداهن جذبت نظره  بلباسها المثير ...وشفتيها النافرتين ....وعينيها الملونتين ...

وما إن سألها مداعبًا ومقتربًا  وبهدوء  العاشق  :  أين البوسة  ؟   حتى جن جنونها ، وأخذت تحدث  المسؤولين عنه وعن مضايقته  ، فهي بنت شريفة ،  ولها أصل وفصل ،  فهل جاءت هي  هنا لتعمل ؟  أم أنها جاءت  لهذا المستوى من الرذيلة ؟  وكيف يجرؤ  هذا  الحقير ...؟

ولما عقد مجلس الضبط لفحص المسألة ولاتخاذ القرار بشأن المدير  ، سألوه  :

-    هل صحيح أنك قلت لها  : أين البوسة  ؟

-        أنا ؟؟؟؟    أعوذ بالله ! فأنا سألتها : أين البسة ؟

-        وما زالوا حتى اليوم يبحثون عن  تلك البسة ؟

 

 

المقام محفوظ

 

كان شيخ قبيلة قد وقع بين يدي  بعض  القبائل الأخرى  ، فارتأوا أن يهينوه  .

ثم إنهم قرروا أن  يسد الشيخ  مسد ثور الحراثة  ، فيشفي ذلك غليلهم ...وهكذا كان ....

...........

عندما عاد الشيخ إلى قبيلته  ألفاهم غاضبين يكادون يتميزون غيظًا على هذه الإهانة التي ألحقت بهم  .

هدأ الشيخ من ثورتهم ، وقال :

كلمة الحق يا إخوان ....صحيح أنهم فعلوا ما فعلوا وأساءوا إلي   ، ولكنهم مع ذلك حافظوا على الأصول وخاطبوني بالحسنى  ؟

-        حافظوا !!!! كيف ؟ حسنى !!!!؟؟؟ كيف ؟

-        عندما كانوا يوجهونني يمينًا ويسارًا كانوا يتوجهون إلي باحترام :

يمين يا  شيخ !

شمال يا شيخ ! قدام يا شيخ  !

 

من التراث

 

قيل لعالم من علماء المسلمين : - أما تستحي وأنت تأكل أمام الملأ في السوق  ؟

فقال :  أرأيتم  لو كنتم في دار فيها بقر وكنتم جائعين  ، فهل تحجمون عن الأكل ؟

-        لا

ثم إن العالم اعتلى نشزًا وجعل يعظ  ، فاجتمع خلق كثير  .....ثم إنه قال :

" روي  عن فلان بن فلان عن فلان وفلان و ق ط ظ ع ف ق م ك ...أنه من بلغ لسانه أرنبة أنفه أدخله الله الجنة  " .

فلم يبق أحد إلا حاول أن يخرج لسانه  وهو يحاول جادًا أن يصل إلى أرنبة أنفه ......


 

ابن أبوه  !

 

كان يصلي  عندما بلغه  أن ابنه قد سجن  ،  والخبر يقول إنه   يشارك في  نشاطات  سياسية  ......

فوجه الرجل  غضبه نحو زوجته  التي جلست تستغفر  وتمرر حبات السبحة بين أصبعيها  :

هذي تربيتك يا  خيرية  ، مالنا وللحكومة  ؟  هل قتلت أمنا  أو أبونا ؟  ....والله ما أنا سائل عنه  !

.........

وبعد   برهة تبين أن سبب الاعتقال  أنه كان في منطقة الميناء في حيفا  ، وكان  هناك يصول ويجول في مكان محظور  ، ومعه آلة حاسبة يحسب سعر  الدولارات  ، ويحاسب هذي وتلك  ....

-      ابني كل عمره ديك  !

قال ذلك بنوع من الزهو : "  هالمنحوس ابن أبوه  ! "

وتابع صلاته  ، وهو يقول  : " الحمد لله  ! "

 

 

 

وطـــن

 

أحب بلاده بتفاصيلها الكبيرة والصغيرة.

قرأ الأحرف ف  لـ  سـ  ـط  ـيـ    ـن          على تضاريس شكلت هذه الحروف.

ابتسم وهو يتنسم عطرها.

حين ابتعد عنها تاه في وحدته، فألف سورة جديدة هي "سورة الوطن".

وقد أطلق عليها اسم حبيبته.

 

 

 

 

 


 

صورة سوداء

 

الوحش الضاري يعتدي علينا  بينما نحن منهمكون في أعمالنا.

نسمع الصراخ والاستغاثة...

ولا نجرؤ على الفعل.

رأيته يُجلس أعز أصدقائي على خازوق، وصديقي يصرخ وهو عار...

لم أجرؤ على الفعل.

وعندما أقبل عليّ لم يجرؤ أحد على مقاومته.....

ولم أصرخ...

بل تمكنت قبل وصوله -  من أن أرسم صورة سوداء لي وهي قاعدة على خازوق .

 

 

 


 

حَيـــرة

 

أحس عميقاً بحضورها...وبلغة عينيها......

كان يحس بنشوة اللقاء، وكانت تغرد على شجرته الصبوات...

قالت له بجِــد:

-أنت عندي مثل أخي...

فاحتار ماذا يقول... وماذا يفعل!

 


 

حـــرام

 

بادرت وجاهرت بحبها.

ولما احتضنها حتى الثمالة قالت له بجد:

-  حرام  ....حرام  !!!

ولما رأى إصرارها على قولها خرج إلى المنطقة الحرام.......

 


 

شخص واحد

 

صلى الحفيد كما صلى أبوه...

صلى الأب كما صلى جده...

صلى الجد كما صلى التابعون وتابع التابعين بإحسان إلى يوم الدين ...

قطعوا طريقاً واحدة، ودعَوا نفس الدعوات:

أن ينصرنا ويهزمهم، أن يحفظنا ويلعنهم...

وعلى الرغم من  أن الجيل تلو الجيل كان يمضي في نفس الطريق إلا أن عالم الآثار لم يجد على الرمال إلا آثار قدمين اثنتـــين.


 

الخبز الوفير

 

كلما كتب قصيدة كانوا يقولون له:

- هذا الكلام لا يُطعم خبزًا !

فقرر يوما أن يشتري خبزًا وفيرًا.......

ليُطعم به الناس.

 

 


 

رُشاش

 

أراد سامي أن يلعب بدميته بالمسدس المائي  الذي اشتراه يوم العيد  ، فأخذ يرش هذا الصديق وذاك  ، وهو يضحك  ، ويضحـــــك  .....

ولكن ، و بعد لحظات أُطلِِــق عليه رُشاش  ، وكان  أسرع  .....وكان أحمر !

احتضن مسدسه المائي ، وهو يهوي على الأرض .... ووضعه على صدره ، وأغمض عينيه وهو يسمع قهقهــــات غريبة .


 

صلاة .....وقصر

 

حاولت الزوجة أن تقنع  زوجها بأن يصلي  ، وهيهات  !

كبرت الزوجة وكبر الزوج  ، وهيهات  !

توافد الصغير والكبير على صلاة التراويح ، وعلى توديع الحجاج واستقبالهم .... وهيهات !

أدركت الزوجة رغبة زوجها - أن يكون له بيت ومأوى  فسيح ومريح ، فقالت له  وهي تعزف على هذا الوتر  :

أتعرف يا  سعيد أن الله  - سبحانه وتعالى -  إذا هداك سيبني لك قصرًا عنده  في الجنة  ....

فرح سعيد وأخذ يصلي ، فقد اقتنع بالفكرة  وآمن  ويا ما شاء الله !

وبعد  بضعة أيام  سأل زوجته  وهو يوشك أن ينوي الصلاة:

"  فكْرك   يا خديجة  ...... بدأوا بحفر الأساسات " ؟ !!!


 

ذكاء

 

نظر إليها نِظرة إعجاب مبتسمًا ثم قال:

هل تعرفين ما أكثر ما يشدني إليك  ؟

ذكائي  طبعًا ، فما أكثر ما رددت أنني ذكية  ....

نعم ، ولكن ألم يوحِ لك ذكاؤك بأمور أخرى تعجبني  ؟


 

نوم .....يقظة

 

كان أرقًا منذ ثلاثة أشهر ، لا   تأخذه سِـنـةٌ ولا نوم  ........

وأما صاحبه فقد جعل الله له الليل لباسًا ، والنهار كذلك .

وعندما أخذته سِنة يسيرة من النوم استيقظ صاحبه وتململ  ....

وأخذ يتثاءب .

 


 

ماذا قالت عن شيطان نوراني ؟

 

شيطان ملائكي غريب.. شيطان عُجٍن بنور ملائكة، ثم نُفخت فيه روح بشر لتتجلى إنسانيته وتتألق.

ما إن تتعرف عليه حتى تأخذك الدهشة!!

تكتشف بداخله ذاك الإنسان الرائع، يسعى ليحيا إنسانيته. وتلمس ذلك الطفل بداخله يسرح.... طفلاً في براءته ، بساطته ، تلقائيته واندفاعه.

ومع ذلك ، فهو شيطانٌ بأفكاره ، شيطانٌ يملأ الدنيا تناقضات... متسامحٌ في عناده ، متواضعٌ في  كبريائه ،  قويُّ في ضعفه مجنون في تعقله ، متعقل في جنونه  ..

يحيرك.... فتتساءل :

من أي نوع كائنات هو؟

وتتدافع تساؤلاتك متتالية حين تلمس السحر في جنونه ، والنقاء في اندفاعه ، فتؤكد أن في تعبيره صدقًًا عميقًًا .

أي شيطان ملائكي هو؟؟؟

تعليق قصصي :

من الطريف أن القول المأثور  " إذا حضرت .........خرجت .........)  لم  يفعل فعله  هذه المرة .

لبــَّيــك

 

حدثني الحاج متولي  أنه طاف حول الكعبة سبعًا ، وهو يردد : لبيك اللهم لبيك ....!

وبعد أن فرغ من فريضته ، وقضى مناسكه ،  ألفى نفسه يطوف حول نائلـــة جديدة ،  ويقول لها :

لبيك وسعديك !

 


 

المتنبي

 

بُعث  الشاعر مرة ليحضر ندوة شعرية هامة أقيمت في ذكراه   . أصغى ...وأصغى ....وأصغى ...

ولكنه لم يفهم شيئًا  ، فخشي إن كشف عن نفسه  أن يتهموه بعقله وبذكائه  ، فسكت على مضض .

ثم استمع إليهم وهم يذكرون المتنبي  بالخير ، وأنه معلمهم ودليلهم  ، وتنافسوا في إلقاء أشعاره  .

أصابه الزهو  ، وتأكد أن الدهر حقًا أصبح من رواة قصائده  .

خرج يمشي في تيه وخيلاء ، وهو يردد :

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ......

أرأيتم كم صدقتُ  !؟

 


 

كمان مرة

 

كانت قعدتي بجانبه  ، وكان حضوري إلى المكان صدفة مجرد صدفة .

كان يشرب ويشرب حتى أخرجته سَورة الشراب إلى أن يكشف سريرتـــه .

قال ، وهو يوجه لي كلامه بلهجة عربية قحة : " كانت متجهة نحوي وتناديني  ..."

سألته : " من هي ؟ "

أجاب : " الطفلة التي ......" وأشار إلى سلاحه.

ثم مضى يقول :

"  أتعرف أنها كل ليلة تأتي إلي مقبلة ....وهي تطلب مني بإلحاح :

عمو عمو كمان مرة !"


 

تيمـــائيـــل

 

زرت أطلال عين غزال ، وجدت قبرًا يقوم على نشز من الأرض  ...

قال لي المرشد : هذا مقام  الشيخ  شحادة  رحمه الله  . وهذه اللافتة وضعها  مجهولون وعليها :  " هنا يرقد الرابي عوفر بن تسفي " .

عدت إلى بلدي ، وتوجهت حالاً إلى مقام الشيخ تــيّـِم  الذي يقوم في مركز البلدة . رأيت بعض الناس  يقيمون النذور ويعلقون البيارق  ، ويقرءون الفاتحة .

قلت للجيران الذين يرعَون  المقام :

انتبهوا  - الله يخليكم - ، لئلا تجدوا لافتة غريبة ، وعليها  : "  هنا يرقد الرابي تيمائيل " .....


 

يافا

 

بالقرب من ساحة الساعة نشم رائحة خبز أبو العافية .....

وهذا الرصيف  تجول فيه محررو صحف كانت تصدر بالعربية ....

ثمار البحر كانت على طاولات البائعين ....هنا خطبوا بالعربية الفصيحة  ، وتغزلوا بالعربية ، وصــلَّوا بها......في هذا الشارع قبل أن يصبح اسمه ( ييفت ) .

اشتريت منقوشة زعتر  .

كانت تمر أمامي  - وأنا آكل - جماعات تتاجر ،  وأخرى تلعب.... وجماعات تضاجع أو وتسكر ....

رأيتهم !

وكانت جماعة  أخرى تحمل سلال البرتقال والليمون ......

والساعة تدق.. وتدق... وتدق ....


 

دنيا زائلة

 

قال الأول :ما دامت الدنيا زائلة فسأستغل كل ثانية لشرابي ولهوي وحبي .

قال الثاني : ما دامت فانية فسأصلي وسأصوم ...وسأزكي ...وســـأعبد الحي القيوم  .

وأردف : السابقون كانوا أفضل منا  ، فهم سلف صالح ....

قال الأول :

ولكنهم قُبروا ......يمكن أن تنــسب لهم أي فعل كيفما تشاء ، فردهم الوحيد هو السكون .....إذن بعدما تطفو وجوههم امنحها الملامح كما تحب وترضى  أنت ......

وقد نمضي بعد قليل .


 

الشاطر حسن

 

حدثنـــي الشاطر حسن قال :

بعد أن ضربتُ الغولة الضربة القاضية  تفعفلت وتمرغت  بالتراب ،  وهي تحشرج صوتها قائلة : ثــنِّ يا أخو الـــ......( وأطلقت علي شتيمة من العيار الثقيل ) .

قلت لها : ما علمتنــــي أمي .

ولكني بعد هنيهة  قررت في نفسي أن أثنــــي ، وسأرى ماذا يحدث .

ثنّـــيــت بضربة أقوى ، فإذا بها تتهاوى نهائيًا .

تأبطت رأسها  ، فقال قوم : تأبط شرًا ، وقال آخرون : تأبط خيرًا .

لا يهمني ماذا قالوا........ فقد تأبطت رأسها لأريه لأبنائي .


 

رأسي ... رأسي!

 

أراد ملك أن يرسل مساعده إلى خصم ليفاوضه في شأن من شؤون المملكة .

قال المساعد : ولكن يا سيدي هذا الرجل قيل لنا إنه عدو لا يرحم ، وربما قطع رأسي أنا .....ولا يحجم  .

-         لا عليك  ! فنحن لدينا أكثر من رهينة  من التابعين له  ، فسنقطع خمسة رؤوس بدلاً من رأسك   ، وستظل ذكراك خالدة عطرة ، وستتركز الإذاعات على أفضالك وأعمالك  ، وسنقيم  لـك  حفلة تأبينية أشارك فيها أنا بنفسي .

-         ولكن يا سيدي ، هل تظن أن أحد الرؤوس البديلة  سيركب فوق رقبتي .

-         سنحاول ذلك بكل إخلاص . كن مطمئنًا ! فأحد الرؤوس لا بد إلا أن يطابق رأسك .......

يقول   شاعر أحببته  :

" فتحسس رأسك  " !


 

روائح

 

يحدث في آتي الزمان ، أن كل موبقة سيفعلها  الإنسان ، ستكون لها رائحة  لا تخفيها  ، وأننا سنسير بين الناس فيها .....

، كم هو جميل ألا تكون .......

كم هو جميل أن تكون ........

تكون ؟ لا تكون ؟

ترى ، كيف ستكون رائحة من يخون وطنه  ؟ هل تزول حتى  بعد أن تُسكب العطور والفوائح  الذكية ،  وتتوالى عمليات التلميع ؟  ويحج إلى بيت اله الحرام ؟

 


 

سيزيف

 

بينما كان  سيزيف في محاولاته  العبثية يرفع الصخرة ، فتتهاوى ..... تهاوت ثانية وثالثة وووووو......

ثم  حدث أن غفل عنه زفس كبير الآلهة ذلك الذي  حكم عليه ما حكم  . لحظتها أوصل سيزيف صخرته  إلى قمة الجبل ، فاستقرت .

مسح عرقه الذي كان أشبه بواد سائل ، وبعد أن استراح سبعة أيام جلس يكتب أغنية الخلاص ، وكتب رسائل اعتذار لمن ضلوا في الطرق بسببه .

نجح في أن يصل إلى مقر الآلهة ، فشرع  يبحث عن زفس رب الأرباب  في جبل الأولمب ،  ولكنه ضل الطريق ........


 

الطائر الحزين

 

عند قبر مجهول... وفي سكون غامر كان شيخ يجلس ويقرأ الفاتحة  .....

كان بادي الحزن  والتأثر   . وعندما اقتربت منه سمعته يسأل  : إلى أين تأخذين ضحكة الشجرة ؟ إلى أين  يا هادية ؟

حدثني حارس المقبرة  أن هذا القبر هو  للحاجة ( هادية  ) ، وهذا الشيخ كان يحبها ،  وظل على حبه لها رغم أنها  تزوجت غيره... وأنجبت.... ورحلت منذ أعوام.

وإذا بصوت  يجيب : إلى ذلك الطائر الحزين ....إلى ذلك الطائر الحزين .


 

هل نجا الذين صلوا ؟

 

كان الواعظ ينص وقد انتفخت أوداجه ، والمستمعون يهزون رؤوسهم وهم يحركون شفاههم:

" وهكذا سلط الله عليهم تسونامي لتبيدهم عن بكرة أبيهم ، ولتقوّض ديارهم جزاء بما ظلموا ، فحق عقاب ...

تصوروا  ! هدمت البنيات كلها.... وبقيت المساجد  شامخة تسبح الله عز وجل  ، أفليس في ذلك عبرة لمن اعتبر ؟؟؟!!! "

استغرق السامعون  في التسبيح والتهليل .....

وإذا بطفل يسأل :

هل نجا الذين صلوا يا سيدي الشيخ ؟


 

هل أدعها لك ؟

 

قال لصاحبه وهو يكلفه بأن يجدّ له في البحث عن عروس بنت حلال  ، ومن مواصفاتها  أنها :  جميلة ساحرة ، متعلمة ، بنت عائلة ، لطيفة العشرة .....إذا سارت تلفتت لها الطيور والأشجار والأزهار ، وتوقف الرجال عن كل حركة ،  وهم يرمقونها أو  " يأكلونها "  بأعينهم ...

قال صاحبه له : وهل أنا مجنون حتى أدعها  لك ....إنها لي  ، ولن أدعها تخرج  ، ستكون لي وحدي .

أصر كل منهما على  حقه في الزواج من هذه العروس ، وتخاصما ، وانقطعت العلاقة بينهما .


 

جنيّ علاء الدين

 

عندما فرك علاء الدين المصباح حضر الجني شاحب الوجه ، وأخذ يبكي بصوت عال .

أخذ الجني يتوسل لعلاء الدين أن يساعده في زواجه من جنية " جنَّنته " ، وأن يكون سعده المبين ،  بين يدي علاء الدين .

لم يدر علاء الدين ماذا يقول وماذا يفعل .

ولما يئس الجني جمّع نفسه في دخان  ، وعاد من حيث أتى .


 

بيني وبين لوركـــا

 

يقول لنا لوركا :

عرفت أنني قتيل

فتشوا المقاهي والمقابر والكنائس

فتحوا البراميل والخزائن

سرقوا ثلاثة هياكل عظمية لينتزعوا أسنانها الذهبية

فلم يعثروا علي !

ألم يعثروا علي ؟؟

نعم ، لم يعثروا علي .

 

قلت للوركا :

" فكرة الأسنان الذهبية عرفها بعدك الدكتور بوشي وزيطة من أهل زقاق المدق ، ولكن ،  بيني وبينك    ، لماذا تنكر أن المعتدين عثروا عليك ؟

حقًا ، لقد عثروا عليك  ......

ومع ذلك ، خسئوا  ،  فلم يكن في  فيك أسنان ذهبية ، بل كلمات من ذهب .

 


 

أفقت

 

طائر لا أعرف اسمه ...لما وصفته قالوا لي إنه أبو زريق ...

يأتي كل صباح مع إطلالة الشمس ليزقزق على نافذتي ، وأسمع في صوته : " أفق أفق " مع تخفيف حرف القاف .

عندما أنظر إليه أرى الندى من عينيه يمطر ، وأشعة الشمس تتراقص فوق ريشه .

أفيق ...أتحسس كل جسمي ....فأطمئن .

أسرع إلى المرآة  فأتأكد أن وجهي كما هو .......

أعود للطائر لأطمئنه .


 

الساعة  والعــقارب

 

حين نلتقي أُلقي بالساعة بعيدًا وأنسى العقارب .

وحين نفترق تلاحقني العقارب سريعة  وخطيرة ....

وهكذا يا سادة يا كرام أعيش أنا والساعة  والعقارب .....


 

ديوان  الشعر

 

قرأتْ ديوان شعر انتقته في مكتبتي  .

أعادته مشكورة .

شعرت دواوين الشعر الأخرى بعودته ، فاجتمعت إليه  لتسأل عن جمال هذه القارئة ، وعن رحلته بين عينيها .

أخذ الديوان يحدث  بزهو وسائر الدواوين تنصت ......

لما دخلت إلى مكتبتي في ساعات الفجر الأولى ألفيت حروفًا ترقص وأوراقًا تغني .....


 

لا تغيير

 

ثمة أشياء تتغير : الطقس ، الأسعار ، المناظر... هنا وهناك  ...

حتى في جسده سكن جسد آخر ، وأخذ يتشكل  له في صور متباينة....

كلما قرب اللقمة إلى فمه أحس أن المرارة لم تتغير  .

يقول  له الشخص الساكن فيه دائمًا وبإلحاح  :

قل الحمد لله !!!!!!


 

تغيّر حتى اسمك

 

تغيرت يا حمادي ، كيف حالك ؟ والله اشتقنا لك يا أحمد  ! لكم تغيرت ، وعيناك أصبحتا حزينتين ، ووجهك ....وشكلك ......ما هذا ؟ ما سبب التغيير ؟

-         ولكني لست أحمد  يا سيدي ، فأنا عبد الحليم  .

-         لم تتغير كليًا ..... دعابتك  بقيت كما هي  يا أحمد .

-         أنا عبد الحليم .

-         عجيب ، حتى اسمك قد تغير !!!!


 

رحلة امرأة

 

تزوجت في الثلاثين .

عذبها زوجها حتى طلقته وهي في الأربعين .

قالوا لها في الخمسين : كان عليك أن تحتملي الضيم ، فهذا أفضل من  العزف على وتر منفرد .

في الستين التقاها زوجها ذاك ، وأبدى لها الندامة . فقالت له :

لقد عشت وحدي طليقة ، طليقة .......!!.

إن في ظلالك أصداء هواي !!!


 

لا أحد .....

 

صعد درجة درجة وهو يتنصت إلى مصدر الصوت الذي يسمعه ......صوت بكاء خافت . ولما وصل إلى أعلى  انقطع الصوت فجأة .....

فتش الغرف غرفة غرفة ، ولم يجد أحدًا . نادى من هنا ، فلم يجب أحد .

عندما نزل عاد الصوت مختلفًا  ، فأخذ يتنصت إلى مصدر الصوت الذي يسمعه .....صوت ضحك مكتوم  . ولما وصل إلى أعلى انقطع الصوت فجأة ....

فتش الغرف غرفة غرفة ، ولم يجد أحدًا . نادى بصوت أعلى :

من هنا ؟ من هنا ؟

فلم يجب أحد .

فتش الخزائن ووراء الأبواب وتحت الأسرة ولم يجد أحدًا .....

قال في نفسه : لعلي أنا الذي كنت هناك ....


 

إلى أين ....

 

يهرولون إلى بيوتهم ، يوصدون الأبواب  ، ويحكمون إغلاقها ....

يكرر الأذان صوته : حي على الصلاة  ! حي على الفلاح !

استمع إلى الأذان وهو متجه إلى بيته بسرعة ، لكنه ما لبث أن قرر ألا يعود إلى بيته  ، وليكن بعد ذلك  الطوفان ....

وقف على مفترق الطرق ، وانتظر السيارة الأولى  ليسافر   إلى مدينة  " أين " .....


 

المِرآة

 

نظرتُ إلى وجهي في المرآة ، فرأيت شخصًا استغربت صورته...

سألته بإشارة  : من أنت ؟

فأشار لي  وسألني  : من أنت ؟

وكلما فعلت شيئًا أمامه كرر ذلك ، وكأنه يسخر مني .....

ولكنه عندما   ابتسمت ظل واجمًا ......


 

الجنـــة

 

ورد في الكتب المقدسة أن الله خلق الإنسان وجعله في جنته  ،

ثم قرر أن يجعل للإنسان جنة أخرى خلقها من ضلعه .

ولما أكلا من الشجرة قرر أن يخرجهما من جنانه ....

من يومها أخذ الرجل والمرأة يبحث  الواحد عن جنته في الآخر ، وفي جميع أضلاعه .


 

تكرار

 

الكاتب  ( ص ) يقول في كل مقالاته نفس الفكرة وأحيانًا نفس الجمل .....

أعرف شخصًا يحمل سلسالاً صغيرًا يلف به إصبعه على سبيل التسلية ....

وعندما يمل من الحركة الدائرية اليمنى  يعكس حركة السلسال بشكل دائري معاكس ، وهكذا ......

التقى الكاتب وصاحب السلسال ، فأخذ هذا يكتب ، وأخذ ذاك يلف حول إصبعه سلساله  الذي لا يمل .


 

لمن الأجرة  ؟

 

ركب الشاعر في سيارة أجرة .

كان السائق محبًا للشعر .

فاستمع إلى  أكثر من قراءة ....وعندما أراد الشاعر النزول سأل الشاعر ُ السائق - كم سيدفع له ...

-         أعوذ بالله  ، أنا الذي سأدفع لك .....

عندما حدث زوجته بما جرى  حمدت الله ...لأن الشعراء  لا يسافرون كثيرًا مع زوجها . .


 

نوم ....

 

شعرت هي بالبرد ، فطلبت منه أن يقترب وألا يخشى أحدًا ، فالباب محكم الإقفال .....

المرآة التي تراقبهما كانت تضم وجهه كثيرًا ، والشراشف كانت تطالب أن تدفّئ  ، والوسادة نامت على  رأسين  ......


 

عائلة سعيدة

 

كلما رأيتهما معًا نقّلت نظري بينهما ، فأرى أنها لا تطيقه ، وهي تطرق رأسها  ، وتمشي ...

لا أدري لماذا أؤكد ذلك في كل مرة  ....

لكني واثق أنه هو و العائلتان والأصدقاء والمجتمع يقولون إن هذه العائلة هي أسعد عائلة ......

وعندما أسمع ذلك أستغرب ....


 

جميـــل

 

بكى أمامي موجهًا كلامه لأمه :

كان عليك ألا تقدمي جسمك له تلك الليلة التي ألقى بذرتي التي قررت شكلي ....

كان عليك أن تهربي وأن ترفضي وأن تلعني أبا أبيه ...... فانظري أي وجه أحمل ؟ أي أنف ؟ أي فم ؟ أي لون  ؟ أي زفت ؟ .....

بكت أمه الجميلة وقالت له : لا تنظر إلى المرآة  يا بني !


 

ماذا حدث ؟؟

 

عندما استيقظتُ  من النوم لم أجد أحدًا حولي .

خرجتُ  أبحث عن أعز الناس عندي أهلي ، ولكني لم أجد أحدًا  ....

كنت  أسير مندهشًا  في البلدة التي اختفت بيوتها واختفى ناسها ....واعتراني خوف شديد .....

وأخيرًا رأيت شخصًا  واحدًا فقط يبول ويبول  دون أن يتوقف ..

سأنتظره حتى يفرغ مثانته ، وسأسأله : ماذا حدث ؟؟!!


 

معجيــــز

 

دخلت إلى غرفة صديق يناهز السبعين ، فإذا على طاولته صورة نسي أن يخفيها صورة فتاة عارية مثيرة وهي تلعب التنس ، ولم يكن قبالتها أحد ..ويقف وراءها شيخ تجمع بعضه على بعض  بكامل لباسه وأحزانه .....

كان يتأملها ......

سألت المضيف بعد أن تمليت  من حضورها  : ما سر هذه الصورة ؟

وهل أعجبتك يا أبا إبراهيم ؟

أجابني دون أدنى اعتذار : سيأتي يوم  وسأكون هذا العجوز العاجز المعجيز .........


 

رأيتـــها

 

رأيتها في اللد.

هي مميزة مع أني لا أعرف اسمها أو نوعها أو فصيلتها، لكني كنت كلما مررت بها في أثناء زياراتي للمدينة أكحل عيني بمرآها، فأشعر بغبطة لا أعرف سببها.

زرت المكان قبل نصف قرن - وأنا يافع -  فألفيت لها أوراقاً عجيبة...

ثم علمت أنهم غيروا معالم المكان واقتلعوها.

لما زرت المدينة قبل ربع قرن مررت بصديقتي فإذا بها تبســـق وتتجدد ،

ورأيت الأوراق   ترنو إليّ.....

ثم غيروا معالم المكان واقتلعوها.

ولما زرت المدينة يوم أمس كانت  الشجرة تبسق ،  وكانت تبادلني النظر.

وألفيت نفسي بعد نصف قرن أكحل عيني بمرآها.

وأشعر بغبطة أعرف سببها .


 

حيـــفـــا

 

حيفا تغسل قدميها كل يوم في البحر، يناغيها البحر ويقول لها:

يا حبيبتي ،  أما زلت تنتظرين؟

تجيب حيفا وهو يداعب خصلات شعرها :

" أنا أنتظر... وانتظر...."

فيصفق الموج...

وتتهادى أشجار الكرمل ....

وأحزن  أنا .....


 

ركيك...رقيق

 

غضب نظمي الشاعر لأن شاعرًا كبيرًا هاتفه قائلاً:

"قرأت ما نشرتَ اليوم، وأستطيع أن أقول لك: أنت شاعر رقيق..."

استشاط نظمي غضباً، وأخذ يلعن الشاعر ،  كما يلعن كل من يذكره بخير...

ولما التقاه في حفلة دُعيا إليها... تهرب نظمي من وجه الشاعر وتملص، ولكنه لم يفلح ،  إذ ألفى نفسه وجهًا لوجه أمام الشاعر الكبير.

بادر الشاعر إليه بالتحية ، وقال لمن كان معه:

" الشاعر نظمي.... وقد أعجبني  حقًا شعره الرقيق... "

( ولفظ كلمة "الرقيق" واضحة على مسمعي نظمي.)

فرح نظمي وعانقه.


 

لا أعرفها

 

قالت لزوجها: "  أما ترى هذا الرجل كيف يقبّــل يد امرأته، انظر إليه وهو يحتضنها!!   انظر !      لقد نسينا ذلك منذ زمن! لماذا لا تجدّد الحب؟ "

قال: "  ولكنني لا أعرفها   ! "

 


 

هاتـــف

 

............

أن تهاتف صديقة بعد عشر سنوات، فترحب بك قبل أن تنبس بكلمة أمر عجيب  .

صحيح أنها قرأت رقم الهاتف على شاشة الهاتف..صحيح ،

ولكن ،  أنّى لها أن تتذكر رقمك؟

-         ربما هي ذاكرتها العجيبة!

ربما .....


 

حفدة قايـيـــن

 

ورد في الأسطورة التوراتية  "...أن قايـين قام على هابيل أخيه فقتله ..."

و بعد أن قتل الأخ أخاه وبعد  مقولتـــه : " أحارس أنا أخي ؟؟؟!!! " بقي القاتل يسير في الأرض....

وما زال ينجب.......

وقبلنا ذلك !؟


 

أمك أولاً

 

قلت له: يا أبي! انتظرتني حتى أنجح .....فاعلم يا والدي الكريم أنني حققت بعض آمالك ، وهاءنت أول من أبشر ....

خلت   أبي  يخرج من قبره  ، ويرافقني  إلى حيث كانت أمي  ، وقال لي بنوع من العتاب القاسي :

-  ولكن ، لماذا لم تخبر أمك أولا ً ؟؟!!!


 

مكالـــمـــة

 

رن جرس الهاتف .

يسرع سعيد أولاً  ليجيب ، بينما العائلة ترتقب .

سعيد (يهاتف جميلة):

يا صديقي أحمد  ،  أنت تعرف كم أحبك!   وأعزّك يا أحمد يا كل الكل ...

على الخط الثاني كانت جميلة  (تهاتف سعيدًا ) :

أنت تعرفين يا ليلى كم أحبك وأموت فيك  ، دخيل الله  ، وهذه قبلة .......

وتمضي المكالمة دون انقطاع.......


 

الصـــدق ؟؟!!

 

لم أكن أدري أن الثعبان الصغير أو فرخ الحية  الذي قتله أخي  يكبر  يومًا بعد يوم .....فأخي حكّاء  مبدع ، فكلما حدث قصة الأفعى الصغيرة التي قتلها  زاد من طولها إلى أن أصبحت أربعين مترًا ....ولا أدري اليوم وبعد أن تخليت عن سماع قصصه كم بلغ طول الأفعى ؟!

 

تعليق قصصي : تذكرت حكاية النظرة ، وكيف حدَّث عنها الرواة ....إلى أن  أصبحت المرأة حاملاً  بعدها ...


 

أمستردام

 

استغربت المرأة المسنة أن على الشيء الذي رأته  قد كُتبت كلمة ( ارم  ) ؟؟؟!!!

سألت جارتها الشابة عن سر ذلك .....

فتعجبت هي الأخرى ، وتساءلت : ما سر ذلك ؟؟!!

ولما عادت الجارة الشابة قالت لها : يا سيدتي لم تكن الكلمة هناك ( إرَم ) بل كانت ( أمستردام ) ، لقد أخطأتِ في القراءة ....

زرت المدينة هناك  ، ورأيتها بالكامل ....


 

حجــر

 

منذ أن عثرت سامية على الحجر بين ركام بيت في عكا أخذت تصحبه في كل مسرحية تقدمها ، فهو الرخامي الأملس ، و يحمل اسم الطبيب فخري الشقيري وساعات استقباله المرضى ....

تحمله تعويذة أو رفيق طريق أو شاهدًا حيًا  ، والمصورون يصورون لتتجسم في هذا الحجر عكا .

 

ولكنها في عرضها الأخير سمعت بكاء وتأوهات  في أثناء  مونولوجها المسرحي ....

كانت امرأة  بين جمهور المسرح  ، جاءت واحتضنت الحجر كما تحتضن وليدها ، وبكت وبكت ، وهي تقول : هذا من منزلنا نا نا نا ...

قدمت الممثلة الحجر لصاحبته ، وقالت لها :

لقد حملته لك وديعة ، فتسلمي !

 

آراء لأدباء حول القصص

 

 

أستاذي الجليل.... صديقي الرّائع د. فاروق

حبّاتك تتجمّع وتتكاثر أيّها الرّائع

لكم أشعر بالسعادة . منذ الآن بهذه المجموعة المتفرّدة المتميّزة التي تزيّن مكتبتي

مجموعة الحبّات.

مجموعة القلادة.كلّ حبّة محبّة تشدّ حبّة محبّة أجمل.

هنيئا لك منذ الآن بما سبقت أيّها الكبير المتقدم الراّئع !

ما زلت أتلمّظ طلاوة عيدان النّشوة ودغدغة التّيه، وأنا أعيد منذ البارحة قراءة هذه المقاطع الشّفّافة الصّافيّة،

كأنّما هيّ شدّ بين الرّسم الصّينيّ ومدّ بين حكم وصايا كهنة الزّان و قواطع الكابوكي.

كأنّها خلاصة علوّ إسماعيل كاداريه، وقدح الزّند في مداخل وعمق نثر صموئيل بيكيت وأوجين يونسكو.

هيّ رحيق الحكمة وخلاصة العبثيّة ونداءات البعيد.

قرأت المقاطع أكثر من عشر مرّاتحتى حفظت بعضها  بعد أن أحببتها

أرجو من كلّ كلّ قلبي أنّ تواصل كتابة عشرات القصص بهذه الشّكل، ولتكن كعدد المسبحة مثلا ( 99 )

لتخرجها للعالمين في كتاب تسابيح،  سيكون له أثر ووقع كتب الصّلوات والأدعيّة التي تتوارث جيل من بعد جيل

هنيئا ليهنيئا لنا بلغتك الصّافيّة وعمق ما تكتب.

أشدّ بما أوتيت من صدق وحبّ على يديكمشيرًا إليكدالاّ عليكواشيًا بك لأساطين السّرد ومردة النّثر الذين ينحدرون بين العيد والعيد

محبّتي النقيّة من كلّ شائبة.

وليكن أنّي أوّل من يبارك لك هذا العيد.

كمال العيادي  - تونس

 

*        *        *

 

العزيز المبدع د. فاروق

يا ابن المواسم في حكاياك القصيرة كالبرق تأتي ولا تروح... إلاّ من حيث مكمن الحكمة ..

بعضها مذهلة.... والله مذهلة ....وقد سمعتها بأذني من مستويات ثقافية مختلفة .

ولما قرأتك ضحكت حتى البكاء فجيعة ..

تنقلت من حكاية لأخرى ،  ولكنني أمام لوركا عاشق القمر شعرت أن جنيّ علاء الدين اندس في ديوان الشعر الساعة والعــقارب ، رحلة امرأة لا تغييرفيها ..

لكنه لوركا عاشق القمر والوطن والحرية في فيه  وفيك كلمات ذهبية وماسية ......

ولك محبتي

بريهان قمق - الأردن

 

*        *        *

 

المبدع الدكتور فاروق

 

متمنيًا لك كل ما هو جميل ومفرح في هذا العالم

كتاباتك تتألق دليلاً على إبداعك النادر ،  وأتابع جديدك المتميز.

أديب كمال الدين

استراليا

*        *        *

 

د. المبدع فاروق مواسي

قصص مكثّفة معبّرة لها دلالات عميقة، بأسلوب بسيط وطري وراقٍ، كل قصة من هذه الومضات القصصية ممكن أن تكون قصة ،  لكنكَ يا صديقي بمهارة عالية أوجزتها بتكثيف رائع وبديع ضمن شرارة قصصية قصيرة جدّاً ،  وهنا تكمن خصوبة الإبداع!

 

صبري يوسف

ستوكهولم