صورة اليهودي

                  في الشعر العربي في إسرائيل

 

كان الأدب الفلسطيني قبل قيام الدولة يرى في اليهودي عدوًا،وهو بذلك يعكس واقع المجتمع الفلسطيني الذي رفض الكيان الصهيوني بدءًا.   

وعند قيام الدولة بقي مواطنون عرب في الجليل والمثلث والنقب،وقد فرضت عليهم أحكام عسكرية،وصودرت أراضيهم،وكانوا يلمسون التمييز في جميع مناحي حياتهم بذريعة "الأمن"...ولكنهم من جهة أخرى أخذوا يفيدون من معالم الحضارة الغربية التي دخلت إلى البلاد ،و أخذت حياتهم تتطور بمظاهرها المادية المختلفة.

كان المواطن العربي بداية حذرًا من المواجهة السياسية الصريحة بسبب احتمال الاعتقال أو النفي أو قطع الرزق،ولكنه وبسبب مساحة الديمقراطية التي أخذ القانون الإسرائيلي يتيحها تدريجيًا صار المواطن  يتحرك سياسيًا ، ويبدي رأيه بحرية أكبر وأكثر.

لو سألنا أولا :

كيف عبر الأدب العبري عن صورة العربي؟

تجيبنا دراسات أنطون شلحت1، وكذلك دراسة أدير كوهين  ( الوجه القبيح في المرآة  -פנים מכוערות במראה على أنها سلبية قاتمة،أو هي :

"صورة تدور بين كونها تهدد الوجود اليهودي-الصهيوني في إسرائيل،وحتى كونها صورًا رومانسية وشاذة .حيث أنها تظل في الحالتين صورة الغريب والجار معًا"2.

بعد هذا التقديم لنعد إلى موضوعنا :إذا اعترفنا أن الأدب هو مرآة ينعكس من خلالها الموجود والمنشود فإننا سنسأل السؤال على الصعيد الاجتماعي:كيف تتأتى هذه العلاقة؟

-سنجدها ماثلة في الأطر التالية:

1.مع السلطة،الحاكم ،المؤسسة اليهودية.

2.مع الناس في حياتهم اليومية(حياة مشتركة،مدن مختلطة،العمل مع اليهود في مواقعهم المختلفة،حياة الشارع...).

3.مع المناضل والسياسي وسائر التنظيمات المشتركة(الحزب الشيوعي،مبام،الهستدروت...).

4.في الحميمية،الطفولة،الحب ، الزواج...

   ولما أن كانت النقطة الثالثة هي المفتاح لمقاومة السلطة أولا،وللحياة العامة ثانيًا فسنعالجها قبلاً.

*  كان حزب ماكي (وأغلب أعضائه من اليهود)،قد أقام نوادي وأسس صحافة محترمة(الاتحاد،الجديد،الغد...)،وقد ساهمت هذه إلى حد بعيد في بلورة التربية الوطنية لدى عرب إسرائيل(وهذا هو الاسم الشائع آنذاك)،من خلال مقاومة سياسة التجهيل ،وكان لتبنيها الأفكار الناصرية أثر كبير ما زالت أصداؤه حتى يومنا هذا.

أجرى الحزب الشيوعي لقاءات بيت الشعبين على نحو ما جرى في "الغابة الحمراء "،حيث كانوا يحتفلون معًا  بالانتصار على النازية،أو في أول أيار ،فكانوا يخطبون معًا -  وباللغتين -  ضد الفاشية والاستغلال الطبقي وينشدون نشيد الأممية....

يقول توفيق زياد مخاطبا اليهود التقدميين:

   الورد أحمل والسلام والحق والحب العميق

   هذي يدي يا أصدقاء كفاحنا في كل ضيق.

 في كل عرق نابض عهد الصديق إلى الصديق

                                               (أشد على أياديكم ،ص27).

ويدافع عن عمال آتا المضربين:

  فالذي لص خبزكم لص خبزي

  نحن الاثنان للطغاة ضحيـــه

  دربنا واحد فهاتوا الأيادي

  يا رفاق المعارك الطبقيــه

 نحو دنيا جديدة وسلام

 وقضاء على القوى الرجعيـه.

                                            (زياد،المجموعة الكاملة،ص94)

إذًا ثمة موقف إنساني،أممي ،ويمكن أن نضيف هنا ما كتبه حسين مهنا عن شخصية ماير فلنر(تمتمات آخر الليل،ص12) ، وما كتبه سميح القاسم عن شارلي بيطون(القاسم ،المجموعة الكاملة،مجلد3،ص68،أو عن الشاعر ألكسندر بن،الحماسة،ج3،ص53)،وما كتبه شكيب جهشان عن فالتسيا لانغر3(عامان من وجع وتولد  فاطمة،ص10).

من هذا المنظور الإنساني رأى الشعراء أن النازيين هم أعداء للإنسانية جميعها ،فكتب توفيق زياد عن أيخمان لمجموعة ص 183)، و تحدث سميح القاسم كذلك عن هتلر:

           هذا السيد الصغير المعتوه

           اليوم يكفيني أن زرت بوخنفالد واحدًا

           حتى اكتشف سذاجتي وحماقتي

            إزاء هذا القدر الهائل من القسوة البشرية.

                                              (المجموعة الكاملة،مجلد 4 ص 121)

أما حزب مبام فقد تبنى في طروحاته السياسية"أخوة الشعبين"4.وقد ناهض الأعضاء اليهود والعرب الحكم العسكري،واستمع الشباب العربي إلى محاضرات مكثفة زادت من وعيهم الاجتماعي والسياسي ..ثم أسس الحزب "شركة الكتاب العربي " ، حيث أعادت نشر المطبوعات التي كانت تصدر في الدول العربية ، وكانت مجلة "الفجر" التي حررها راشد حسين،نواة أخرى لفكر وطني وإنساني.

يقول راشد حسين مخاطبًا شاعرًا يهوديًا دعاه لزيارته في الكيبوتس، وقد تعذر على راشد أن يخرج من قريته لأنه لا يحمل تصريحًا:

        فغدًا ستخرج من حياتينا معًا                دنيا معطرة الموارد مسكره

        قلبي وقلبك نغمتان     تنادتا                بلسان عصفور ونغمة قبره

        ..............

        قل للبنادق إن فهمت حديثها               ماذا صنعت بطفلة متعثره

        لغة المحبة سهلة وحديثــها          أجدى وأجمل من حديث مدمره

        ...........

        كانت لنا يومًا رياض   محبة            شجراتها الخضر الوديعة مزهره

         كانت يعطرها الإخاء فليتها             ظلت بأنفاس الإخاء   معطره

                                                                                   (مع الفجر،ص17)

ومن جهة أخرى كانت صحافة "اليوم"و"حقيقة الأمر" و"الهدف" تتبنى الأصوات التي سماها البعض "الإيجابية" ، وكانت هذه الأصوات تدعو إلى التعايش المشترك-وبعضه من قبيل مصالحة الفارس مع الفرس..ولأن هذا اللون لم يفرز شاعرًا متميزًا ، أو شعرًا له أهميته فلن نتناوله.

                                                  (انظر كتاب خالد علي مصطفى :الشعر الفلسطيني الحديث،ص204-206).

 

نعود الآن إلى النقطة الأولى إلى العلاقة مع السلطة:

إذا  استقصينا بدايات الرفض والمقاومة5 فسنرى أن صحافة الحزب الشيوعي ومنابره قد غذت هذا التوجه ، فالحكم العسكري ومجزرة كفر قاسم ومصادرة الأراضي وقضايا التعليم ومظاهر التمييز المختلفة ظهرت في كتابات الشعراء،فكان الشعر سجلاً حيًا يدون يوميات الحياة العربية ،ونماذج هذا الشعر أكثر من أن تحصى ، ولدى أكثر من شاعر.

إذًا هنا تلبس الصورة اليهودية قناع السلطة أو المؤسسة ،وعليه فقد كانت الأصوات ترتفع للحد من ظلم الآخر واضطهاده.

في سنة 1967 لبست السلطة ثوب الاحتلال الذي كان مفاجئًا بقدر ما كان مؤلمـًا، لكن التفاؤل ظل نسغًا في القصيدة المحلية،وانعكس التفاؤل كذلك بالتوجه نحو الضابط أو الجندي اليهودي الذي لا بد إلا أن يستيقظ ضميره فهو قبل كل شيء إنسان،فيتخيل شكيب جهشان كيف يكتب جندي في المعركة إلى والده فيقول:

           ومحمد هذا الفتى العربي مثل أخي الصغير

            يحب في وله عصير البرتقال

            يحب مثل أخي الصغير

           شقائق النعمان

           والحلوى

           وسقسقة الطيور

                                      (ثم ماذا،ص22)

من هنا يرى الشاعر طفولة الشعب الآخر، وهي تعنيه إنسانيًا بقدر ما تعني ميشيل حداد طفولة شعبه كذلك ،فيخاطب ميشيل حداد الضابطَ على حدود لبنان:

        يا أيها الضابط في القيادة

        أقول لك

        صغارنا الذين في لبنان أحبة لنا

         قبلهم عنا

         وبالكتيبة التي تقودها

         ....

         ارجع إلى طفلتك التي تنتظرك 6

         يلفها النسيم قرب الحاجز المشبوه

        بفرحة لا بد أن يحظى بها الصغار.

                                                       (أرصفة الحرية،ص62)

والدخول إلى ضمير الآخر وإنسانيته كثير في الشعر المحلي من منطلق الحوار أولا، ومن القناعة أن المنطلق هو الذي سيحكم في نهاية كل مسألة ، ولا بد من صحوة ،فهذا حسين مهنا يجعل الجندي الذي نجا من حرب سابقة يصرخ:

          هذي المرة لن أسمح لا

          يا آلاف العمال الجوعى المنبوذين المسحوقين

          إني أدعوكم لوليمة شكوى وصراخ وسأصرخ

           ومعي أحمد ومحمود وعلي

            العمل الخبز السلم...7

                                                                                  (تمتمات آخر الليل،ص54)

وقد يكون الحوار حادًا وجادًا مع اليهودي،وذلك إذ يخاطب سميح القاسم ذاك المتنكر للوجود العربي:

           -أجداد أجدادي احترقوا في أوشفتس

          -قلبي معهم،فانزع من جلدي الأسلاك

-       وجراح الأمس؟

_ دعها وصمة عار في وجه السفاح هناك

-اسبك سيفك محراثًا

-لم تترك لي من أرضي ميراثًا

-يا عربي يا كلب !

-يا هذا يشفيك الرب !

-يا هذا جرب طعم الحب !

-يا هذا افسح للشمس الدرب !

                                            (المجموعة الكاملة ،المجلد1،ص182)

والدعوة للسلم للحياة الكريمة،هي عمليًا  رؤية الآخر بمنظار متساو ، بل كثيرًا ما يفيد الشاعر من تراث هذا الآخر ليوظفه على اعتبار أنه تراث إنساني، فعبارات التوراة والمزامير ترد في الشعر،وأنبياء إسرائيل يردون كثيرًا  في سياقات مختلفة ،ولنقرأ من سميح القاسم:

       يا أشعيا المناضل

       ثم تغدو سككًا كل السيوف

        ورماح القوم تنصب مناجل

        ثم لا ترفع سيفًا أمة كيما تقاتل

        وصغار القوم لا يدرون ما الحرب وما سفك الدماء

         هللويا هللويا

                             (المجموعة الكاملة،المجلد 1،ص276)

إذا اعتبرنا هذا الشعر شموليًا وعامًا للبشرية كلها ، قتوفيق زياد يخص أهل تل أبيب الذين سيعشقون السلم لا محالة:

        فأناس البسطاء هنا

        كجميع الناس البسطاء

         فتحوا الأبواب جميع الأبواب

         خرجوا للشارع للساحات

          بحثًا عن حزمة شمس

          تيار هواء

وتشتبك الحياة المشتركة في علاقاتها الإنسانية العامة والحميمة وفي العمل .... وهذا ميشيل حداد يستخلص العذوبة من القتامة والبراءة من الدمار  (أي من طائرة الميراج):

          "لكن حين حذفنا حرف الجيم

           من ميراج أصبح ميرا

            اسمًا عذبًا لصغيره

           لفتاة حلوه

           حتى لو لم يذكر بين الأسماء العربيه

                                                  (أن تسأل،ص32).

* ولا أكاد أجد وصفًا لعلاقة حب مع يهودية إلا هذه القصائد القليلة في شعر محمود درويش8  ، ومنها ما كتب عن ريتا9 حيث يرى أن الحرب وعلاقات التوتر تعكر صفو حبهما:   

                  بين ريتا وعيوني بندقيه

                  والذي يعرف ريتا ينحني

                   ويصلي

                   لاله في العيون العسلية

                   ....

                   آه ريتا

                   بيننا مليون عصفور وصوره

                   ومواعيد كثيره

                   أطلقت نارًا عليها بندقيه

                   اسم ريتا كان عيدًا في فمي

                  جسم ريتا كان عرسًا في دمي

                                                  (المجموعة الكاملة، ج 1 ص192) 

إن ريتا تظهر هنا بصورة رفيعة ومتميزة كأجمل ما يرى العاشق في معشوقته، أما القصيدة التي يمكن أن تلخص جدلية الحب/الحرب فهي "كتابة على ضوء بندقية"(المجلد الاول،ص332).

وإذا أجزنا لأنفسنا تلخيص حبكتها فسنرى أن شولميت تنتظر صاحبها سيمون... مرت خمسون دقيقة وهيهات ...تذكرت هي  الرسالة التي وصلتها منه... هنا اكتشف هو  أن أغاني الحرب لا توصل صمت القلب والنجوى إلى صاحبها.

تعود بها الذاكرة إلى لذتها الأولى إلى دنيا غريبة، صدّقت ما قال محمود(وهذا هو اسمه كذلك في القصيدة)قبل سنين:

      "كان محمود صديقًا طيب القلب

       وحبيبًا صار فيما بعد":

        عندما عانقها قي المرة الأولى بكت

        من لذة الحب ومن جيرانها

        (كل قومياتنا قشرة موز)

        فكرت يومًا على ساعده

       وأتى سيمون يحميها من الحب القديم

      كان محمود سجينًا يومها

ويبدو لنا أن سيمون لم يعد ، وبعد أن يئست شولميت تقول:

      لا بأس إذًا،فليأت محمود

     أنا انتظر الليلة عشرين سنـه

مرة أخرى تظهر الفتاة هنا بقوتها وضعفها،ولا يهم تحديد ذلك في وجهة نظر ذاتية..إنها شخصية إنسانية،عبر من خلالها عن قضيته وصراعه مع السجان الذي يعكر صفو العلاقات الإنسانية ، وفي ظني أن ما ورد بين قوسين(كل قومياتنا...)على لسانها قد يكون في دخيلة نفس الشاعر (أو الراوي الشاعر)اقتناعًا ما به.

وخير ما اختتم به هذه الدراسة أن أعرض ما يلخص الموقف من هذا الآخر الذي يعيش معه في أرض واحدة،وذلك من خلال قصيدة "جندي يحلم بالزنبق البيضاء).

                                                 (المجموعة،مجلد1،ص195).

يروي لنا الشاعر حكاية جندي يبحث عن الحياة البسيطة-أن يشرب قهوة أمه..يسأله محمود عن معنى الأرض في وجدانه، فيجيبه أنه لا يحس بكونها جلده ونبضه، أما حبه لها فهو كالنزهة القصيرة ،وكل ما يربطه بها مقالة أو محاضرة، ووسيلة للحب بندقية.لقد حدثته كيف بكت أمه قبيل وداعه بصمت،وكيف كانت تتمنى السلام.

دخن الشاعر ،ثم قال :انه يحلم بالزنابق البيضاء

يسأله الشاعر:كم قتلت؟

-يصعب أن أعدهم ،لكني نلت

 وسامًا واحدًا.

طلبت منه أن يصف قتيلاً واحدًا ، فأجابها:

يبدو أنه مزارع أو عامل

ثم أخذ يسرد له أوصافه ..ثم ما لبث أن حدثه عن حبه الأول في شوارع بعيدة،وبعد الكأس الرابعة يعترف الجندي له:

أريد قلبًا طيبًا

لا حشو بندقيه

أريد يومًا مشمسًا

لا لحظة انتصار

أريد طفلاً باسمًا يضحك للنهار

وبالطبع فليست دعوة السلم هي الأساس هنا بقدر ما هي نظرة الشاعر إلى أعماق نفسية هذا المعذب،إن الجندي يظهر في قوته وضعفه كذلك،والشاعر يرى في الخاتمة تحولاً ،بمعنى أنه لا ييأس من هذا الآخر ،الأمر الذي أكدناه آنفًا.

                                            ***

مما تقدم نرى أن شخصية اليهودي تندرج في اتجاهين:

أ.السلطة أو الاحتلال، وهذان يتصدى لهما الشاعر أو الشعر، إلا أن الملامح القومية تبدو باهتة وغير محددة على هذا الجندي أو ذلك الضابط.

ب.إنساني، حيث يكون:"ماتي ،يوسي رمزان الى واحة ممكن وسبيل الصحراء نعيب"

                                                                                    (فاروق مواسي،المجموعة الكاملة،ص261، 10).

-ومن خلال استقراء النماذج الشعرية فقد رأيت أن السبب في عزوف الشاعر الفلسطيني في الجليل والمثلث عن استخدام مصطلح "اليهودي"يعود إلى الأسباب التالية:

أ.الانضواء في الأحزاب السياسية اليسارية،وفيها يهود منظّرون،حتى ولو كان عددهم ضئيلاً-فيما بعد- إلا أن الشاعر يتورع ويحجم عن إيذاء رفيق نضاله وكفاحه ضد الصهيونية والسياسة الإسرائيلية المهينة للوجود العربي في البلاد ،إنه بحاجة إلى عضو منهم يؤازره ويشد من عضده.

ب.النظرة الإسلامية والمسيحية إلى احترام دين الآخر ، وهذه مسألة لها أثرها وفعاليتها.

ج.الخطاب العنصري المرفوض،إذ لا يمكن أن يواجه الشاعر هنا بخطاب مائل..إنه يترفع عنه ويتجه إلى بعد إنساني سام،وكأن الشاعر الفلسطيني في الداخل يدل بالإشارة :أين أنا منهم؟لقد أعمتهم العنصرية،فهل أكون مجابهًا للعنصريــة بعنصرية!11

د.القصائد الأولى بعد فترة السنوات الأولى"البيات-كما سماها د.حسني محمود كانت تصب في قتوات صحافية وإعلامية لا تسمح أصلاً باستخدامات عنصرية..

ولما نشأت"حركة الأرض"،لم تحمل هذه الحركة أيضًا  لواء عنصريًا عرقيًا شوفينيًا،وكذلك الأمر فيما يتعلق بالحركات الإسلامية المستجدة، مع أنها  قلما أفرزت شعرًا بمستوى فني أصلاً.

وأخيرًا،

لا بد من التأكيد كذلك على أن مدارس الأدب الحديث من سريالية وتجريدية وما بعدحداثية تحول غالبًا دون إضفاء ملامح قومية محددة للمحكي عنه، فالفكرة هي التي تحوم ،والموقف هنا هو الذي يُعبّر  عنه بالتماثل أو التعارض أو التوازي أو بمجرد البوح فيه، وفي هذا موضوعية وخروج إلى الأفق الإنساني الأرحب.

 

 

 

 

 

 

                           الهوامش

 

(1)أنطوان  شلحت: أسطورة التكوين (حول الثقافة الإسرائيلية)،1991.

(2)عامي إليعاد:"שבחי העיר הקדושה"(مقال من كتاب"מיתוס וזכרון"- 1996).انظر كذلك אהוד בן עזר: במולדת הגעגועים המנוגדים הערבי בספרות העברית-1992 .

(3)ومنها :

           قالت ستي مره

            كعب امرأة حره

             أنقى من شارب مملوك مأجور

(4)لا زلت أذكر كيف كنت أنا وطلاب صفي سنة 1954،نلبس القميص الأزرق في الشبيبة العربية الطلائعية، وقد عملنا في الكيبوتسات، ولا زلت أذكر أن محمود درويش كان يعمل في كيبوتس عين شيمر القريب من بلدي.

(5)يرى غالي شكري أن الشعر كان شعر معارضة، ولم يوافق الناقد على الاصطلاح "شعراء المقاومة":"إن المقاومة الوطنية بمعنى تحرير الأرض من آثار الأجنبي لا تخطر على بال وتفكير الشعراء الفلسطينيين ،  إنما  يتخذ التحرير عندهم معنى آخر يتعايش في ظلاله العرب واليهود أخوة أحرارًا من أي قهر عنصري" (غالي شكري، أدب المقاومة،ص391).

(6)هذا المعنى كنت قد أوردته في قصيدة "اقتحام ضمير ضابط احتلال"في صحوة اعتراف قبالة نحالين،(مواسي :قبلة بعد الفراق ،ص24-28)،وفيها أقول:

هل أعود/نحو بيتي/ نحو طفلي/وتلاقيني الحبيبة/قبلة مرغوبة في طعم ما بعد الفراق.

(7)أو يقول منها في مكان آخر:

    يا وارث آدم يا إنسان

    يا أبيض يا أسود

    يا أحمر يا أصفر

    ارفع وجهك نحو الشمس

    وانزع من قلبك أشواك

    ....

   ولنحم الوطن من ظلم أخيه الإنسان           

                                                 (وطني ينزف دمًا،ص75)

(8)غادر البلاد سنة 1970، ولذا لن أتطرق إلى قصائده بعدها كقصيدة "عابرون في كلام عابر".صحيفة"الوطن"1/4/1988-نقلاً عن "اليوم السابع"،أو قصيدة "شتاء ريتا"(المجلد الثاني،ص537).

(9)هناك قصيدة أخرى عن ريتا هي "ريتا أحبيني"(المجموعة،ص274) لكني لم أجد فيها ملامح اليهودية،بل هي المرأة اليونانية، وثمة ما يرجع التصور أن أثينا هنا هي رمز للواقع في إسرائيل.

(10)عبرت كذلك من خلال قصيدتي "أوري يتسلم شهادة أبيه"(الأعمال الكاملة،لمواسي-المجلد الأول ص146)،عن رؤية هذا المستقبل الذي يفسح المجال للآخر بحب وسلم .ولكن أولاً وقبلاً ألا يظل العدوان عنوانًا موجهًا.

(11)من المهم أن نذكر هنا أن مجلة الجديد نشرت في حزيران 1955،تحية شعرية أرسلها الشاعر العراقي المعروف محمد صالح بحر العلوم،وفيها يقول:

     يا شعب (ميكونس)   سِلمُك في   مقارعة الغزاة

     ومرير وضعك من ولاتك نفس وضعي من ولاتي

     كفي وكفك بأس كل  منهما   موت     الطغاة

     وبفضل هدي الكادحين   تحل  مشكلة   الحياة

    وقبل ذلك يقول :            

      يا شعب إسرائيل خذ من قلب وادينا المضام

      عهدًا  بأن هواك في أحشاء   أهليهِ    الكرام

      يشتد رغم أنوف أعداء   التحرر   والسلام...