يحيى زكريا الآغا

 

التزام وانصهار وانبعاث وديوان (يا وطني)

 

عام 1941 عرفت قرية باقة الغربية شمالي فلسطين مولد طفل أصبح بعد من شعرائها المرموقين، ظهرت موهبته الشعرية في مراحل مكبرة من حياته، مستلهمًا من الأرض نبعًا صافيًا لشعره، ومن النيران التي حرقت زرعت ثورة في القصيدة، عَشق الأرض نبعًا صافيًا لشعره، كما تعشق الأرض ماء السماء، وبنى منهجه الشعري على اللفظ والمعنى، معتمدًا على إرهاصات الماضي، ومعطيات الحاضر وآمال المستقبل.

تأثر بمدرسة الشعر الحديث التي ظهر في مصر بزعامة العقاد وشكري والمازني، وحصل على درجة الدكتوراة من خلال تأثره بالمذهب الرومنتيكي الإنجليزي.

المحطات التي يمكن الوقوف عليها في شعر الشاعر لا تقتصر على ديوان واحد، أو قصيدة، فإدراكه المتميز لأسرار اللغة الشاعرية، دون الوقوف عند قالب واحد.... واعتماده على بنية القصيدة لغويًا، وتجديده في بنية النص متأثرًا بالديوان من المميزات والمحطات التي توقفنا كثيرًا أمام عطائه.

الشاعر-  كما سنرى -  لا يتعصب لقديم، ولا لجديد، وذلك  لإيمانه المطلق بأن الشعر الجيد هو الذي يفرض وجوده وذاته، فهو يرى بأن الكلمة هي التي تحدد قيمة العمل الفني من خلال اتصالها بما بعدها، وعلاقتها بغيرها، وذلك إذا تيسر  صدق العاطفة، فقد بنى شعره على النظام التقليدي الموزون والمقفى، ثم الشعر الحر، والشعر المنثور، ويرى بأن قيمة العمل لا يحددها فقط الشكل عامــة، وإنما المضمون، لهذا كان ينوع في قصائده تبعًا لما تفرضه الفكرة، ويفرضه الموضوع والمعنى.

وإذا كان الشاعر يعتمد أحيانًا على الأسلوب المباشر، إلا أنه كان يرى في الترميز البسيط طريقًا للوصول إلى فكرته، لإيمانه ببنية النص اللغوية التي لا تعتمد على الشكل قدر اعتمادها على القيمة الحقيقة للكلمة ،  سواء من خلال الرموز والإيحاء،أو الصور الخيالية والمحسنات البديعية.

الشاعر بالإضافة إلى اهتمامه بالموضوع، لم يلغ القيمة الفعلية للموسيقى باعتبارها مرتكَزًا يبرز العواطف والمشاعر والأحاسيس، ومن هنا كان التنويع في الموسيقى سواء في بنية القصيدة، أو الموسيقى الداخلية.   

 فاروق مواسي ينتمي إلى عالم الشعر بقدر ما ينتمي إلى كونه إنسانًا عاشقًا، وعشقه نابع من إيمانه بأرضه ووطنه، يعيش الواقع، وينصهر معه تمامًا حتى يكون منه مادة جديدة تنتمي إلى الأرض بكل مدنها وقراها، يتفاعل مع كل القضايا التي تمس وطنه، لم يقف لحظة واحدة موقف المتفرج، لذا وجدنا شعره انعكاسًا للواقع بالصورة التي يحول بها الواقع إلى لغة مقروءة، فجاءت طاقات إبداعية خلاقة، حافلة بكل القضايا المعاصرة مستلهمًا من التاريخ بعدًا نفسيًا، وصورًا منتقاة وظفها الشاعر توظيفًا سليمًا في مكانها.

ويمتاز شعره بوضوح الأسلوب، وصدق العاطفة، وبعده عن الغرابة، والبساطة في نقل الصور، وإضاءاته بنوية في مكونات النص الشعر، وله قدرة على توظيف المعاني بما بتناسب والأفكار، وتنامي الأفكار حسب المعنى، واقفًا على معنى اللفظ أحيانًا، وأحيانًا على معنى المعنى.

قرأت دواوين الشاعر فوجدتها حافلة بالمدن الفلسطينية، لأنه يريد منا أن تبقى المدن ماثلة في أذهانها ، وكان متتبعًا لما تعانيه من اغتصاب واعتقال وانكسار على أيدي الجماعات الصهيونية.

قصائد الشاعر لون من الإبداع البكر، ولها رؤية متفردة، وهي ذات خصوصية تؤثر معانيها قبل ألفاظها في النفس، أو المعنى قبل الصوت، فهو يعيد صياغه الواقع من خلال انصهاره، لا يراقب الأحداث، ولا يلتقط الأفكار، بل يعيش الواقع والحدث ليجعل من النص كيانًا منتميًا إلى الوطن والأرض والمدن، وفلسطين، حتى لنشعر بأن النص هو الواقع، أو فلسطين.

القصيدة عند الشاعر ليست لحظة ميلاد فقط، بل لحظة تواصل مع الحياة، وتفاعل معها وبمؤثراتها، لا يحصر نفسه في بوتقة الزمان والمكان، من أجل هذا كانت القصيدة عند الشاعر تنتمي إلى عصر فقط، لأنه لا يكتب إلى عصر واحد ولا إلى جيل واحد، ولا إلى دهر بعينه، وإنما يكتب للجميع، ومن خلال الجميع؛ لهذا نرى رحلة الإبداع عند الشاعر لا تقتصر على الموضوع دون الفن، ولا على الفن دون الموضوع، وإنما على اللفظ والمعنى والبنية.

هذا، وقد نظم خلال مسيرته الشعرية عشرة دواوين أولها صدر عام 1971 باسم (في انتظار القطار) والثاني (غداة العناق) 1974، والثالث (يا وطني) عام 1977، وهو الذي ستقف عليه من خلال الدراسة التحليلية، والرابع (اعتناق الحياة والممات) عام 1979، والخامس (إلى الآفاق) عام 1979، والسادس (من شذور الذهب) عام 1987، والسابع (الخروج من النهر) عام 1989، والثامن (الأحزان التي لم تفهم) عام 1989، والتاسع (قبلة بعد الفراق) عام 1990، والعاشر (ما قبل البعد) عام 1993. وصدر له بعد ذلك (لما فقدت معناها الأسماء) (1995)، خاطرتي والضوء(1998).

وإذا كانت الدواوين في معظمها تمثل فكرًا صادقًا، ونبعًا صافيًا،  هو نابع من عمق الوطن، فإن دراسة واحدة لا تكفي حول ديوان واحد، لهذا فدواوين الشاعر تحتاج إلى دراسات عميقة تتوازى مع إبداعاته، أو على الأقل تتوازى مع إنتاجه الفني المتميز، ونرى بأن الشاعر مع شعراء فلسطين يمثلون فعلاً مدرسة شعرية جديدة يحق لنا أن نسميها المدرسة الوطنية الإنسانية في الشعر الفلسطيني المعاصر.

إن الرحلة في أعماق شاعر كالدكتور فاروق مواسي، تحتاج إلى صبر وأناة، ووعي تام بكل معطيات النص، حتى يحقق التحليل الغرض منه، فنحن أمام  شاعر يهتم بالكلمة اهتمامًا بّينًا، ويمنحها من ذاته ما يجعلها قادرة على محاكاة نفسها والواقع، ولهذا فإن العمق الذي تكتنزه الكلمة له مهمة كبيرة حتى تؤدي الغرض المطلوب منها، وهذا ناتج من الحصيلة اللغوية المعجمية التي يتمتع بها الشاعر.

 

يا وطني

 

ديوان الشاعر الثالث في مسيرة حياته الشعرية، ويمثل هذا الديوان من خلال المعاني التي ساقها إلينا نقلة نوعية من بنية القصيدة من حيث الشكل والمضون، وهذا يعني بأن الشاعر لا يجمد عند شكل واحد، بل يتأثر، ويجدد ويطور، ويبدع، ولذا وجدنا التنويع في القصائد حسب طبيعة الحدث.

وأول قصيدة تطالعنها في هذا الديوان بعنوان "يوم الأرض" متخذًا من الشعر التقليدي منهاجًا في بنية القصيدة.

 

يـا شعبيَ  الـعملاق إنك ملهمي           أنـت الكريم ومـا سواك معلمي

قدمـت كـل  ضحيـة قدسيـة            لـتضم نـجمًا فـي مجرة  أنجم

فـي كل شبر  من ثـراك  لساعد              سكـب الـدماء    زكـية لم تُرهم

أحياء هـم ومخلّـدون   ونورهم              هدي  لنا  في    كل  ليل     مظلم

فلئن صـرخنا يوم   أرض   إننا              ذقنـا الـمرارة    والأذى من مجرم

ولـئن تـجمعنا على  درب الوفا              فلأننا مـتنا.. ولــم   نـستـسلم

أحـكامهم جارت  وظلت   وصمة            أيـكون خير في     لـعاب  الأرقم؟!

خـلقوا الـقوانين التي في نصها              خنقوا الـحقوق وصادرونا في الدم

فـي قتـل نفس الحر، في إيذائه              فـي الكيد والتنكيل مـن  مـتغشم

كـانوا لـنا طـعمًا مريرًا  علقمًا              هل تصبرون عـلى مرارة    علقم؟

يـا مـن تخاذلتم وكنتم   عونهم               وسـتندمون ولات سـاعة مَـندم

عـودوا إلـى شعب يكلل  نصره             مجـدًا ويـبقى فـعـله   كالمَعلـم

إنـا.. سـترضع كل طفل  بعدنا             لبن الكرامة وهـو  عذب   المَطـعم

 

رغم بساطة التعبير، وجريان الألفاظ على الألسن إلا أن الشاعر اعتمد في نقل هذه التجربة الشعرية على المعنى ،  فأحس ما يتجرعه الشعب الفلسطيني على أيدي القوات الغاشمة، فكان هذا المعنى، وها نحن نتعامل هنا مع شاعر لا يقول اللفظ من أجل أن يؤدي اللفظ ، بل يهمه ما يفهمه القارئ، ولا يبني النص في فراغ، بل يهدف من وراء ذلك الكثير، فبالإضافة إلى الموضوعية التي جاء بها، نجده يستنبط من الكلمة معاني تصل إلى أبعد نقطة في تفكير الإنسان ، وذلك  في محاولة لبعثه من جديد. ورغم أن القصيدة بها بعض الهنات لضرورة شعرية، إلا أنها استطاعت أن تقفز بالقارئ إلى حيث المكان الحقيقي للصراع، فالشاعر -ابن بيئته -  يبرز الإلهام لديه من خلال شعبه ومن خلال تضحياتهم ونضالهم ومواجهاتهم، فبرزت عبر  ذلك صورة الشعب في يوم الأرض، باعتباره الملهم والمفكر والناظم، ومن هنا اتكأ الشاعر على الشعب في قصيدته، ولم لا؟ والشعب هو البطل الحقيقي في يوم الأرض؟

            إن انتفاضة الشعب يوم الأرض لم تأت من فراغ، بل نتيجة تراكمات كثيرة، وجروح بدأت تغور في الجسد، تفرز ألوانًا غير طبيعية، فالأرض هُودت، والشعب سجن، والموارد ندرت، والفروع جفّت، ولم يبق لهذا الشعب سوى الكرامة التي أخذت من الإنسان مأخذها في هذه الفترة، فما كان من الفلسطيني سوى الانفجار، ليعلن بأن عهدًا جديدًا قد بدأ.

إن إبراز المعاناة من خلال القوانين الوضعية التي تم وضعها من قبل السلطات الإسرائيلية حسب المصالح، وما تقتضيه الظروف الأمنية والديمغرافية والحياتية كفيل بأن يخرج الشعب من عرينه ليعلن التمرد والتحدي من خلال الانتفاضة.

ولقد كان لتأُثير هذه التجربة أثر في البنية اللغوية للقصيدة، فقد عمد الشاعر إلى البحر الكامل لكي يعبر عما يجول في خاطره، وليتمكن النص من أن يؤدي الغرض المطلوب معتمدًا على قافية الميم، وربما لإيقاف الثورة الداخلية التي تعتور مشاعره، ومن هنا رأيناه يدخل مباشرة في الموضوع دون تمهيد أو إطالة، فكانت الجمل الشعرية لتي تتناسب وكل موقف، فعندما تناول الشعب قال (قدمتَ كل ضحية، سكب الدماء زكية، ذقنا المرارة) وعندما تحدث عن الآخر قال: (أحكامهم جارت، قتل نفس الحر، الكيد، التنكيل) ولقد أراد تبريرًا لما يقوم به الشعب من خلال استحضار صور المعاناة، حتى أصبح صاحب الأرض يستجدي أرضه.

إن الشاعر ومن خلال إدراكه الفطري المتميز لأسرار اللغة التي يتعامل معها استخدم الألفاظ الأكثر عمقًا وملاءمة لرؤيته الشعورية والشعرية، فهو هنا يتفاعل مع الحدث ، ويأسر به كثيرًا ... وبالتالي جاءت الرؤية صادقة ومتوازنة مع المضمون والعناصر المكونة للنص.

وننتقل إلى القصيدة الثانية لتبرز من خلال التفعيلة -التي جعلها أساسًا في بنية لقصيدة - بعضُ أساليب المحتل اللاإنسانية ، وذلك من خلال ما حدث لقرية الشاعر، معتمدًا على الأفعال المضارعة، وكأنه يريد أن يقول من خلالها، ما زالت المدينة محتلة، وما زالوا يمارسون نفس الأسلوب، ولننظر إلى عنوانها المعبر، والذي يحمل إيحاء بالغطرسة والقوة والابتلاع.

أسماك القرش:

 

ومرة رأيت قرشًا ميتًا           

يباع لحمه لمن يمتار

فسرت ثم قلت:                  

"هذه نهاية الدخيل للدمار"      

وبعدها ببرهة كان النداء 

بأن قرشًا فاغرًا فمه

ويحمل العداء

   يطوف في باقة .في الشوارع

              

إن  علاقة الألفاظ التي ساقها الشاعر، تبرز أهمية اللفظ في بناء النص، وفي المعنى الذي يسوقه، وقد برزت المعاني التي أوردها في المقطع السابق من خلال تلاحمها واتصالها ببعضها، وبالتالي لا يمكننا فصل الجمل عن بعضها، والكلمة عن أختها، ولهذا كان استخدامه للقرش جاء  ليوحي بمعانٍ ذات تأثير كبير في النفس (فالآخرون) لا يراعون لكل القيم والمبادئ الإنسانية، تمامًا  كالقرش الذي يبلع في جوفه كل ما يواجهه من أسماك.

ونقف قليلاً أمام المعنى للوصول إلى اللفظ وما أداه من غرض موضوعي، وفني في نفس الوقت، وما كان  توظيفه الأمثل لهذه اللفظة إلا لنقف على حقيقة العدو من ناحية، وقدرة الشاعر على توظيف الكلمة بما توحي في المكان المناسب:

فماذا فعل القرش في قرية (باقة الغربية) ؟؟؟!!!

 

 

ويقذف القنابل التي تهيّج المدامع                

تهاجم الأطفال في المدارس                      

شراسةُ الأوغاد، تقحم الجوامع                  

عصيُّهم سلاحهم ونقمة لغضب                  

تلاحق الكبار والصغار                            

(فتحت عيني .......مرتين                     

 لأنني ظننت أن قد مسني دوار)

وهم يجرون خمسة وراء مركبه

يمثلون لعبة القطار

وتُصفع العجوز صفعتين

وتُكسر الأبواب، يبكي طفلنا الحبيب

وتُقذف الحجار أيقنت أن لا بد من قرش أغار

رحلة المعاناة بدأت عندما فتح القرش فمه، ليبتلع الأطفال الأبرياء، مستخدمًا كافة الأساليب اللاإنسانية من خلال قنابل الغاز المسيلة للدموع، ومهاجمة المدارس، وتدنيس الجوامع، وسحق الأجساد خلف عرباتهم، هذا الصراع اليومي الذي برز من خلال الأسطر السابقة صاحَبه واقع حقيقي موجود في فكر الشاعر لما هو موجود على أرض الواقع، ومن هنا استطاع الشاعر أن يوظف الألفاظ بعناية، ولقد كان لاستخدام الشاعر لفظه (القرش) في مكانها بعيدًا عن التهويل، وإذا كان هذا اللفظ قد خرج عن كونه تشبيهًا إلى كونه رمزًا، يوحي بالكثير من الدلالات التي تصاحبه، فقد كان لتوظيفه من خلال ما جاش بصدره من معنى، يدل على عمق ما استشعر به الشاعر، وتأثير الحدث في ذاته، وبالتالي انعكاسات الحدث على جو النص، وقد برز هذا واضحًا في الألفاظ التي تناولها الشاعر.

الصراع العربي الإسرائيلي لا يمكن أن ينتهي إلا بانتهاء المسبب، حتى لو تم توقيع الكثير من الاتفاقيات معه، نظرًا لنقضه المعاهدات منذ أمد بعيد، لهذا لا يمكن أن يؤمَن جانبه، ولننظر إليه من خلال هذه الأسطر أيضًا، لنعرف هل يمكن أن يكون بيننا سلام عادل:

 

ها هم يكسرون يصرخون يهجمون                   

ويشتمون ...............يركضون                   

حتى يضيف القرش نصرًا في سجلات انتصار    

يمزقون راية من فوق دار                            

  بأنها تموت في انتصاب.

بنظرة احتقار

ويزحف الحاقدون

على عيوننا الغضاب

ويضربون يُلحقون الضرب في الأشجار

وما درَوا

يعتقلون خمسة........ وينظرون                  

من خلال أسلوب التحدي والصرع بين الشعب الفلسطيني وقوات الاحتلال، وإبرازه لأساليبهم القمعية التي لا تنتمي إلى الإنسانية، ابتعد الشاعر  عن البكائية التي يكون لها مردود سلبي على مجريات الأحداث، والنص بعامة وفي نفوس الأجيال القادمة، لهذا جاء بالموت الشريف، والموت الذي يبرز الصورة التي بدأ بها الشاعر قصيدته، ولقد اكتفى الشاعر بنقل الصور  كما هي، ولم يستعن بالصور البلاغية، رغم قيمتها المعنوية في اللفظ، ونتابع مع الشاعر هذه القصيدة:

علمتمونا يومها درسين في الحساب                          

1- في أننا معًا وعندكم على صعيد                         

 2- وصاحب الأموال من يوهم نفسه بأنه السعيد            

تكشفت له حقيقة الثراء                                         

فالعار    والشنار

سيخذل     التتار

فسجلوا وجلجلوا

فليخذل   التتار!

وكانت  النهاية التي يجب أن تكون، وهكذا نتيجة الصراع بين الحق والباطل، وبين قوى الشر المتمثلة بالمغتصب، وبين قوة الخير المتمثلة بأصحاب الأرض الشرعيين.

لقد حرص الشاعر منذ بداية القصيدة على لغته  ، فكانت حية ناهضة نابضة بالحركة من بدايتها إلى نهايتها، فطبيعة التجربة التي ساقها الشاعر تتطلب هذا الموقف، فاستعان بالأفعال التي أكسبت المعنى قوة، ونوّع في العاطفة تبعًا للموقف الشعوري، فجاءت الدفقات الشعرية موازية لحالته النفسية.

 ونقف نع قصيدة أخرى بعنوان "الستة في حوار" حيث نرى رعشة مختلفة عن ذي قبل، ولغة لا أقول حادة بمعناها البعيد، ولكنها متميزة من خلال أسلوبها ومعانيها، حيث تناول قضية متجددة في فلسطين تتمثل في التضحية من أجل الوطن، وكغيره من الشعراء ينعت الوطن (بالأم)..... وهل هناك أدق تشبيها في التضحية من أجل الوطن، ولا أحد يستطيع أن يلوم الستة أشخاص في تضحياتهم من أجل أمهم (فلسطين).

وقد تناول الشاعر القصيدة بتقديم موفق ودقيق مستندًا إلى البعد الوطني في إبراز المضمون، فتحرك داخل النص من خلال الأشخاص الستة، كما هو الحال خارج النص، أو على أرض الواقع.... حتى لا يبعدنا عن معايشة الواقع بأبعاده ومعطياته، ولقد كان لاستشهاده ببعض آيات من القرآن أثر إيجابي في الصورة، فالشاعر لا يجنح للخيال بعبارات فضفاضة، ولا إلى طلب المستحيل من خلال صور غير واقعية، ومن هنا برزت العاطفة للتوازي مع هذه المعطيات بكل أبعادها، فلعبت دورًا هامًا في تصحيح مسار الأفكار، وأبرزت التكنيك الفني بصورة متميزة  - كما أراد لها الشعر أن تكون، إذن الشاعر هنا يوظف المعنى، لأنه حاضر عنده ، ويوظف الألفاظ تبعًا لهذا المعنى، فتتجانس لديه الألفاظ مع المعاني، وتبرز الصور سواء كانت مستندة إلى بلاغيات معينة، أم جاءت مباشرة كما رأينا في القصيدة السابقة.

هذا، ونرى أيضًا بأن الشاعر انتقل من شعر التفعيلة إلى الشعر الكلاسيكي من خلال بيتين في معرض النص، ومن هنا رأينا بأن هذا التكنيك الجديد تطلبته الفكرة، وإن كان لهذا اللون من تأثر بغيره من الشعراء الآخرين:

 

سألوني ماذا تكتب في يوم الفصل؟              

يوم ارتفع الصوت بوجه الموت         

إذ عاشت ستة أصوات    كالدهر                        

وجرى في نبضك في نبضي نهر                    

خرج الستة إذ كانت   غصّة قهر                         

تطلق في جهر:                                  

إنا في سلم نمضي.............   للأرض                             

  بالروح بالدم               نفديك يا أمي

كيف نطلق هذا الغضب المتأجج من أعماق

الأعماق

إلى الدنيا علّ الدنيا تسمع

فسلام يوم صرخنا

وسلام يوم قتلنا

وسلام يوم سنبقى أقوى

 

حوار داخلي لا يبتعد عن الحنو، كما يتعامل الإنسان مع أمه، لكن أحيانًا تنتاب الإنسان ثورة عارمة إذا رأى بأن أمه هذه تتعرض للسحق، هذا ما يلتقطه الشاعر من الواقع التقاط العاشق لمعشوقته عما تريد قبل أن تفصح بذلك ، وهذا ما نراه في تلك الأسطر، فالصورة التي أمامنا تظهر معاناة شديدة من المعتدي، لكن هذه المعاناة لا تُواجه بالاستسلام، ولكن كما رأينا بالروح وبالدم، لعل العالم كله يعي بأننا ندافع عن كرامتنا وأرضنا.

وإذا كان توفيق الشاعر نبع من لفكرة، فإن التوظيف السليم والدقيق من جماليات ما نرى في النص، والجمال لا يظهر كما نعرف باستعارة ولا تشبيه، وإنما يبرز بالتوظيف السليم بالمعنى من خلال ما يسوق إلينا من أفكار.

ونقف هنا أما لفظة (سلام) التي أوردها الشاعر ثلاث مرات، وما هذا إلا استلهام من القران الكريم، عندما جاء قوله تعالى في سورة مريم -  { ....سلام عليه يوم ولد، ويوم يموت، ويوم يبعث حيًا} فقد تكررت هنا أيضًا ثلاث مرات، ونتابع الصورة الحركية من خلال السطور التالية، لنتعرف على الستة:

خرج الستة                           

 الأول والده يوصيه:

ابعد عن وجه السلطة                     

واحفظ حقك يا ولدي                 

فيقول الولد:

أنى لي أن أحفظ حقي

وأمامي قاضِ وغريم؟؟

ابعد عن وجه السلطة؟

استفهام أم نقطة؟

هذا الحوار لا تشوبه روح الوطنية من قبل الوالد والولد، فكلاهما أكثر حرصًا على ما يريد، فالوالد يطاب ابنه بألا ينسى حقه، ولكن بطرق لا ينتهي إلى ألم، ويأتي التساؤل من الابن بصورة رائعة، وتدل على أن جيل الأبناء حريصون على أوطانهم، وأرضهم، وخاب من فكّر بأن الأجيال القادمة ستنسى الأوطان فيقول: كيف أحفظ هذا الحق والقاضي وغريمي هو واحد، وهذا يدل على أن الطريق الوحيد يكمن في المواجهة والقتال.

هنا يظهر تكنيك ربما يصل بنا إلى الأسلوب المسرحي ممن خلال الشخصيات جميعها، وحتى تكتمل الصورة نقف على اللوحة الثانية:

الثاني والده يوصيه:

ابعد عن فئة تغضب حاكمنا                                                 

والله الحاكم يحفظنا                           

فيقول الثاني:                                          

أنى لي أن أحفظ حقي ما دمت أقول

الله الحافظ

وأخاف من الآراء كأني افرض نفسي ريشه

هل غيرنا ما في النفس

 

لقد كانت إجابة الثاني بليغة إلى حد بعيد، ومؤداها، بأننا إذا اقتنعنا بأن الله هو الحافظ فلم الخوف من العدو، فعلينا أن نعمل بكافة السبل يا والدي لمقاومة المحتل، سواء كان فكرًا أم عملاً، ما دام يصب في خانة المقاومة.

أما الثالث، فتأتي الوصية من الوالد إلى ابنه، فماذا يقول في الوصية:

الثالث والده يوصيه:

 

ادرس درسك                          

من ثمة تسلك درب الإصرار        

فيقول الثالث:      

ما جدوى الدرس إذا كان الشرب سمومًا

والطعم سمومًا......

في محاولة جديدة من خلال رؤية واقعية، يوصي الأب ابنه بأن يهتم بدروسه من أجل المستقبل، فالمستقبل أمامه، المهم الانتهاء من دراسته، لكن يأتي الصوت العقلاني، والرصين، الذي يشعرنا بأن الوطن لن يضيع..... ما فائدة الدرس، إذا كانت حياتنا منغصة؟  فلا قيمة لها ما دامت أرضنا محتلة. هنا تبرز أمامنا صور الانتماء إلى الوطن، والواجب الوطني الذي علينا أن نقوم به، وليس معنى ذلك بأن الأب يرفض ما يقوم به ابنه، ولكن رغبة الوالد أولاً في أن ينهي ابنه  الدراسة ، وبعدها يمكنه أن يتفرغ للنضال.

أما الصورة الرابعة فتقول:

الرابع والده يوصيه:                         

إنا: (من نور الشمس) فما شأنك        

فيقول بلا ردّه:

"  إنا نصفان ونعطي معنى الوحده "

رغم حالة التعجيز التي يضعها الأب أمام  ابنه، إلا أن هذا لا يجدي أمام  المشاعر والأحاسيس ، ويأتي الجواب كالصاعقة كما ورد في السطر الأخير.

هذه الصورة التي ساقها الشاعر ليس  فيها ما يُظن  باستسلام الوالد، ولا بعدم اكتراثه لما يحدث، وإنما هو لون من الإصرار أو الاستشعار من خلال اطمئنانه على الوطن، متخذًا من ابنه وما يقول له وسيلة لذلك.

أما الصورة الخامسة فتبرز لوحة مختلفة عن سابقاتها، وتحمل أيضًا روح الوطنية ، بل الوطنية بكل عناصرها:    

   يا ياسين احفظ "أرضك عرضك"

 فسمعنا نايًا يعزف وحداء في عرابة

                      "يا بهية خبريني..."

اقتران الأرض بالعِرض ليس جديدًا على الشعر الفلسطيني، وإنما هو جزء من الشعر الفلسطيني، وما ورودها في هذا المقام إلا لإبراز القيمة الحقيقة للأرض، وأننا لا يمكننا أن نفرط بالعرض، كما لا يمكننا أن نفرط بالأرض، ورغم هذه الصورة يغلب عليها مخاطبة النفس، لكن الشاعر لم يكن هدفه ذلك، لان الأرض والعرض لا يحتاج كل منهما إلى أن يخاطب الشاعر أو الإنسان النفس حتى يعمل التأثير المطلوب، فالأرض والعرض ليسا بحاجة إلى ذلك، ومن هنا كان الهدف وطنيًا  أكثر منه نفسيًا.

أما سادسة الشهداء فكانت أنثى من سخنين                  

كانت رمزًا ليقول لنا: الدرب سجال                          

أين رجال؟؟

فاسم الأرض يؤنث تأنيث مجاز.

وإذا كان الحوار وقف عند السادسة دون إبراز الوصية، فهذا يعني بأن وصية الوالد كانت واضحة المعالم، فالأرض تحتاج إلى النضال والفداء من الشباب والفتيات وليس قاصرةٌ على جنس دون أخر.

" الدرب سجال" هنا يتمحور المعنى حول إبراز صورة الواقع، والمستقبل، فإذا كان الحاضر لهم، فالمستقبل لنا، وهذا التفاؤل الذي يسوقه الشاعر نابع من الإرث الحضاري الذي يرتكز عليه الفلسطيني.

الحوار أظهر الحرص الشديد من كلا الطرفين على الأرض، ولكن لكل واحد منا أسلوبه في المواجهة والتحدي، فالوالد لا يريد من ابنه ألا يقاوم، ولكنه يريده أن يمتلك كل مقومات المواجهة لان العدو يمتلكها، ولذا علينا أن نواجهه فكريًا وجسديًا عندما نكون قادرين على ذلك، حتى تكون المواجهة فعلية.

إن الشاعر -  كما رأينا -  يأبى أن تكون الحياة على الأرض التي سلبت دون مواجهة أو إصرار ....حتى يبقى الحق منشودًا لكل الأجيال، فجاء النص معبرًا عن هذه المعاني من خلال التنويع والانتقال بكل عناية ودقة من لوحة إلى أخرى بعيدًا عن التكرار الممل، والأسلوب الغامض، ولا نبعد عن الحقيقة إذا قلنا بأن عدم استخدام الشاعر للرمز في هذا المقام لون من ألوان الإبداع الفني.

ونتابع مع الشاعر إحدى صورِه التي ساقها لتكون أيدلوجية فكرية مع سابقتها من القصائد، فالقصيدة التالية التي تحمل عنوان (الوثيقة المنكرة) تبحث في الأساليب المنكرة التي صاغها المحتل من اجل الحصول على مزيد من الأراضي بدعاوي باطلة، فالشاعر وصفها بالبطلان، حيث يظهر هذا التشابه بين شخصية القاضي والمحتل، فهذا لا ينكر الحق:

 

وثيقة صفيقة تشف عن مكامن العداء            

عمى بعنصرية تمج بالسموم                       

وصية أن ينهبوا الكروم والنجوم

ويسلبوا العطاء

رغم أن الشعر قد ساق إلينا أسلوب المحتل وممارساته بالنسبة للأرض، إلا أنها أبرزت نص الوثيقة، فهي تظهر العداء بين الفلسطينيين والصهاينة من خلال الأساليب العنصرية التي يمارسونها، والتي هي جزء من حياتهم.

لم يبتعد الشاعر عن الحقيقة عندما استخدم الشاعر الألفاظ المعبرة عن المعاني، وهذا بطيبعة الحال جزء من الممارسة، وسنرى في المقاطع التالية صورًا أخرى:

وثيقة تضج أنني كشوكة إيقاعها قضّ                  

المضاجع                                              

فليسمعوا ملء    المسامع                             

بأننا باقون: نقاوم المطامع                                          

ونلهب المطر

ومنكر الأصوات لا يغير الغناء والوتر

 والحقد كالجنون                                                                     

لقد واجه الشعب الوثيقة بالمقاومة التي جاءت بأساليب منوعة، وبرزت صور كثيرة للمقاومة، فمهما حاولت القوة الغاشمة تغيير الواقع فإن الواقع لن يتغير ، لأن قوة الحق أقوى من التغييرات الزائفة والمزعومة التي يحدثونها على أرض الواقع.

إن مهمة الشاعر هنا جاءت لإبراز ما وقع من مواجهة وتحدِ، وأيضًا لنقل الصورة إلى الأجيال القادمة في المواجهة والتحدي والإصرار على الحقيقة الأبدية، وهي أن الأرض مهما طالت يد الغدر في تغيرها، فيكون هذا خارجيًا وليس داخليًا، فكم من قرية تم إزالتها عن وجه الأرض، ولكنها بقيت محفورة في النفوس إلى اليوم حتى حدودها مرسومة على خارجة القلب والوجدان:

من شعبنا وشعبهم وقد صحا بعض -                   

تردد الرفض                                               

وضجت الأرض                                                

من حيّة تراقب الجليل

 بعين لص يحمل القانون

ويزرع المنون

           أبرز الشاعر من خلال ما ساق إلينا بعض الرفض لهذه الوثيقة، فشعبنا الفلسطيني إضافة إلى بعض القوى المطالبة بالسلام خرجت لتعلن الرفض لهذه الوثيقة المزيفة، فزرعوا الموت بدلاً من الحب.

وقد حرص الشاعر على توظيف الصور البلاغية ...لما لهذه الصور من تأثير في النفس، ولإبراز حجم المأساة، فها هي الأرض لم تتحمل، لأن العدو يزرع الموت بدلاً من الحب.

وما استخدامه للرمز (الحية) إلا ليضفي على المعنى بما يتناسب مع الواقع.

ولكن إذا كان التوفيق قد جانب الشاعر من حيث الحية، إلا أن المراقبة لا تتم إلا لمن هو في مكان مرتفع ولو استخدم لفظه (البوم) لكان أدق، ولكن الشاعر ربما يكون ربطه للحية مع الأرض، ومن هنا جاء بالحية:

 

وأنت يا عصابة الغباء              

لا تنكري، لا تسكتي فم النتن        

فمنكر الأصوات

يدغدغ الأحلام للسبات

تدحرجي يا ذكريات !

الشاعر كما نرى يبرز التفكير الحسي داخل لصورة الشعرية من خلال أحاسيسه ومشاعره، وهذا التكفير كما هو معروف ينبيء وراء الصورة الكثير من الدلالات، ويكشف عن الأحاسيس والمشاعر من خلال التفاعل لإبراز الفكرة التي انصهر فيها وغلفها بالواقع المر والأليم.

إن المشهد الخارجي الذي اتضح من صور التحدي والرفض ومن خلال الأرض لم يكن يظهر على أرض الواقع إلا لكونه موجودًا في نفس الشاعر نتيجة انعكاس الواقع، وهذا بطبيعة الحال يبرز التفاعل القائم بين ما هو خارج النفس وبين ما هو موجود في النفس.

التكثيف في الصور من خلال الدقة في اختيار مفردات الصورة ترجع إلى محاولة الشاعر جمع العناصر بأبعادها ، وذلك  ليؤلف فيما بينها صورة واضحة عن الفكرة الرئيسية دون أن يحدث في الشكل العام والمضمون ما يؤثر على الموسيقى، ولهذا وجدنا الرابط بين الفكرة والموسيقى والعاطفة.

وينقلنا الشاعر إلى منحى آخر من خلال قصيدة جديدة وبلغة جديدة تبرزها العاطفة، فيغلب عليها صورة الحزن والكآبة، لكنها تعني في مضمونها رؤيا إلى المستقبل بعين الحب ...وليس من خلال الموت والدمار، يضع مقابلة بين صورتين ، وعلينا اختيار أفضلهما. ففي قصيدة (أوري يتسلم شهادة أبيه) يقدم لها الشاعر بهذه  الكلمات: " أما الأب فقد تعلم في الجامعة وقضى في الحرب قبل أن ينعم بالشهادة".

الشاعر يرفض الحرب، ويتساءل من خلال المضمون: ما فائدة الحرب؟ ولماذا تحدث؟ وكل شعب يعرف ما له وما عليه، فماذا حدث؟

ويوم أن تلّبدت غيوم                

وأرسل الإنسان للإنسان             

هدية ثقيلة الحجوم:                  

صواعقًا، جهنمًا، سموم               

وشت على أبيك نجمه               

كانت تلوم

وعندها

تقدّمت يداه للأمام

لتحضناك ....

وذابت الأجفان

بالرمل مع نداك

 

الشاعر هنا يظهر صورة المعاناة، ولكن السؤال هنا كيف يمكن أن نطلق كلمة إنسان لشخص لا تتمثل فيه القيم الإنسانية، ورغم هذا التناقض إلا أن هذه الصورة تمثل عمق المأساة ليس في جيل واحد ،  وإنما للأجيال القادمة.

أبوك في غيابة الخفاء والزمن          

وصار سرّا مرتهن                      

في حضرة الكفن                        

(حاييم) في سيناء تاه

(حاييم) تاه في الغيوب

                ثانية يتوه

في رحلة خفيّة الخطى  

وعنده بلا غطاء

ماتي وفتحي وعلاء

هذه الصورة التي ينقلها الشاعر فيها من التفصيلية دون الاستعانة بخيال الشاعر، وذلك ليتحدث من خلالها عن مشاعره، حتى وإن كانت الحقيقة هي الغالبة عليها، فإن لها في النفس كوامن بعثتها عوامل نفسية داخلية، فجّرت الكثير من الرؤى ذات الدلالات المنطقية. صحيح أن تكنيك القصة وارد فيها بشكل واضح، وهذا يعتبر من الإبداع الفني للنص. إلا أنها حملت معها الكثير من التوقيعات المشرقة في المنهجية الفنية والفكرية للنص.

وفي المحور الثالث من النص يقول:

وقدموك كي يؤدوك الشهاده            

بفرحة حضنتها تفاخر اجتهاده         

أمامهم                                 

بكوا.دعوا إلههم

أن ينتقم

فهذه دروسهم

 

من خلال المخزون اللاشعوري عند الشاعر الذي تركه لنا - في محاولة للتعبير من خلال قوله (فهذه دروسهم) فإن هذه الصورة التي أمامنا تحمل الكثير من المضامين التي تبرز أسلوبهم في الاضطهاد.

تلتئم العائلة                        

واجمة تطالع الصورة سائلـــه        

بأن يعود                           

وصمته يشكل السدود              

يهنئونه نجاحه الموعود

يُرونه شهادة موقعــه

كم كان يرنو أن يراها

يعلقونها بقربه

 

هذا اللون من المشاعر، وهذا التكنيك الفني المشحون بشحنات انفعالية عالية من خلال (الرغبة وعدم تحقيقها) يشكلان محورًا أساسيًا في بناء وتتمة الصورة، حيث تبرز لنا الكثير من النواحي ذات الأبعاد النفسية التي انعكست من ذات الشاعر على ألفاظ النص ، وقد استطاع بمدركاته النفسية أن يقرّب الصورة ويوحدها مع ما سبق حتى تتجاذب مع بعضها، فنراه في المقطع الأخير وقد أظهر نصيحة تقول:

وتنطق العينان للصغار             

تفاءلوا بأن سيجمل المصير        

علامة الوئام                       

فكفكفوا الدموع!                     

وجمّعوا الجموع

للخير

للحب

والمجد للإنسان!

 

وحين ننعم النظر جيدًا في هذه القصيدة تنكشف لنا إمكانيات الشاعر الفنية من خلال صنيعه الجيد، وفكرته المنتقاة، وأسلوبه الشائق الذي لا يحتاج إلى تأويلات، فابتعد عن المفْصح الذي لا يرتبط بالواقع، وتناول المُفصح المنتمي للواقع، وما تناوله لعناصر الصورة من خلال الواقع إلا ترجمة لما هو في داخله، ويختلج في أحاسيسه.....وما تناوله لها إلا ليزيح عما في نفسه من ألم ومعاناة، ولقد كان لصورة التفاؤل في التوقيع الخامس والأخير أثر كبير في التركيبة النفسية للنص، ولو تُركت بدونها فربما قد شق علينا استيعاب هذه اللغة، ولكنه وهو المتميز استطاع أن يُغلق الصورة من خلال (كفكفوا الدموع، وجمعوا الجموع، للخير، وللحب) وليس من أجل أن يرسل الإنسان للإنسان حاملاً معه الموت والدمار.

الشاعر كما نرى يحاول الكشف عن وعيه الداخلي من خلال الخارجي ،  ومن خلال ذلك يستكشف لغة جديدة تتمثل بالطاقات الإيحائية بعيدًا عن علم اللغة والبيان والبديع. ومن هنا ورغم أن كلماته وألفاظه بسيطة إلا أنها مفعمة بالكثير من الدلالات ذات المضامين المؤثرة والموحية.

وننتقل بعد ذلك إلى قصيدة جديدة بعنوان "أناديكم"  ليعبر من خلالها بلغة ذات أبعاد خاصة نابعة من تجربة يعيشها الشاعر مع أبناء وطنه. إن الموضوع الذي يتناوله ما هو إلا تفجير لأحاسيس الشاعر، مع عمق في الرؤية التي يتناوله بها.

 

أنـاديكم على باب الـخليل                لـنفدي  بالكثير     وبـالقليـل

وأدعو من يسابق من  يجلي               دعـاء   سـراتنا من كل  جيل

أنادي أخـوة لاقوا عسـيرًا               وهم عُزل سوى رفض  أصيـل

خليل الله رفقًا لست  ترضى               ظما الأبناء في الوِردِ    الوبيـلِ

أبـونا أنت فاحضنّا جـميعًا               لننهل ماءنـا   من سـلسبيـل

(كهانا) إذ يشاكس فـي دلال              ويدعو (الجوش) للدوح   الظليل

يعرّف طيرنا مكر  الـبوازي               فنتـلو آيـة الصبر      الجميل

فقوموا شيّعوا الأوراق  دمعًا             وضجّوا  في  الجنازة   بالعويـل

فما يجدي التعصب في زمـان            به الإنسان يسمـو في    العقول

سبيل العقل يقضي  بانسحاب              ويـردع كـل سفـاح   دخيـل

ولـيس الدين مدعـاة لخلف              إذا  الـعدوان (شيّل)     للرحيل

 

النداء الذي يدعو إليه الشاعر مجرد دعوة ترتكز على رؤية واقعية نابعة من تجربة يخاطب فيها الوجدان من خلال العقل، ليكون لها التأثير المطلوب في النفس، وبعيدًا عن اللغة البسيطة التي استخدمها الشاعر، فهي تضع أيضًا بعض الأسس الكفيلة لإنهاء الصراع القائم بين قوى الغدر المتمثل بالمحتلين لأرض فلسطين، وبين أصحاب الأرض وهم الفلسطينيون من خلال لفظة (الانسحاب) وما يليها.

هذه الدعوة التي جاءت بصيغة الجمع تجمع بين ثناياها العذابات المتكررة في مكان مقدّس عند المسلمين، ثم التجأ إلى خليل الله (إبراهيم) عليه السلام طالبًا منه الحماية لهذه الأرض التي ضّمت الأنبياء، ولقد كان لهذه الإضاءة التراثية المتميزة أثر وجداني منح القصيدة جمالية خاصة، وما استناده إلى إبراهيم، إلا لأنه أبو الأنبياء.

ثم تناول في الناحية الأخرى (كهانا) وهنا ليس المقابلة بين الشخصيتين، لأنه لا يوجد أدنى تقابل بينهما، فعندما جاء بدعوته العنصرية إلى الطرد، جاءه الطرد من الحياة على يد شاب مصري برصاصات أودت به .....فنحن أمام فكر يعتمد على الواقع ، وهو خاضع لتجربة شعرية مبعثها كما نرى الصدق المعتمد على استكشاف العلاقة بين المحتل والفلسطيني صاحب الأرض، وهذا بدوره يضعنا أمام مسؤلياتنا تجاه العدو، وقد استند الشاعر في ذلك إلى الصورة الشعرية باعتبارها جزءًا من مكونات التجربة الشعرية، ومن إبداع النص، ولهذا ابتعد الشاعر عن الصور التجريدية لأنها لا تفي بالغرض.

إضافة إلى اعتماده على الموسيقى الداخلية في توضيح الفكرة، فقد كان اعتماده على الموسيقى الخارجية من توحد الوزن والقافية، والتوحد العضوي بين الأفكار.

وينتقل الشاعر من الخيل إلى بوابات القدس بقصيدة بعنوان " مقدسية"  ذات نسيج عاطفي وشحنات وطنية، فمكوناتها ست فقرات، كل فقرة تحمل مفهومًا يتعلق بالعنوان -حب القدس صوت الموت على بابها، الألم والواقع، وصية تراثية، معاناة القدس.

ونقف أمام هذه المكونات لنسأل الشاعر:

هل يمكن لتلك المكونات الوجدانية أن تنتصر على الذات المحطمة؟

ربما نجد الشاعر متفائلاً في إبراز الصورة أحيانًا، لكن الواقع عكس ذلك تمامًا، فهو يتساءل بداية -  هل يمكن أن يكتشف الحب على بوابات القدس كما كان الحال سابقًا؟ وإذا كانت الشفافية عند الشاعر وصلت إلى هذا الحد، فإننا يمكن أن نعتبر هذا اللون من الشعر الرومانسي الحالم، لأن الوضع الآن غير الوضع بالأمس، ولهذا وجدنا التجسيد في التوقيع الثاني بعنوان " القدس تريد أن تقول"  حيث اتضحت الرؤية بين القدس والذات:

لا أدري إن كنت على بوابات القدس           

  أكتشف الحب الدافي                             

أسأل عند حضور الأمس                         

عن حب غافِ                                   

كي نحدو ونسير                               

                                        . . .                                          

أعرف أن القدس تريد القول

وأنا ما زلت على ما كنت

أتمثل بالصوت

والصوت على درب الموت

لا أذكر إلا ذكرى

تخطر في بالي

وسمعت الصوت....

اتسمت اللوحتان السابقتان بالذوق العام من خلال ما ساق إلينا من مضمون يرتكز على حس الشاعر الرهيف، وعمق فكرته البعيدة عن الخيالات، واستنشاقه المستمر لهواء القدس، وبهذا وجدنا التمايز بين الفترتين كيف استطاع أن يصوره.

شكل الحرف يقرر قيمة ما نعني               

نبض النغمة نسمعه                            

يهزج لا يلبث أن يصعَد                        

يهبط. دعني

يؤلمني كلي يؤلمني

لو أشرب نخب الصمت

أحاسيس متوترة، وحالة من عدم الاستقرار، وهروب، ولكن لماذا؟

وإذا كان الشاعر ذا ثقافة خاصة، فإن الألفاظ التي ساقها في المقطع السابق جاء استجابة لأحاسيسه الخاصة تلك، وتعبيرًا عن المعاني التي يريد أن يوصلها إلينا، بعيدًا عن التعقيد.

قالت : احفظ قصة عمر القدسي              

أمشي كل زّقاق وأمّر بدرب الآلام            

حتى أصل القّبة                              

وأصلي الجمعة                               

وتعاودني " الأحلام "

قالت : " أنت جميل وأنا أجمل

فلماذا القبلة لا تقبل؟ "

قلت لها : " والله الشوق إليها هلّ "

ولكل لغات العالم ترجمت القبلــه

نعيش مع الشاعر رحلة تتسم بالشفافية والصدق ما يكفل لها بالواقعية، فتمثل تكنيك القصة، وأسقط معطياتها كل لا يفسد الصورة، وترك لنا الباب مفتوحًا كي نعيد إلى الذاكرة هذه القصة، مع إضافة عنصر التجسيد المعنوي المنسوج من روح العاطفة، وبالتالي تمثلت أمامنا لغة ترتكز إلى الخيال الواقعي الذي لا تشوبه مظاهر الصدق شائبة.

إن التداعيات الكثيرة التي يمكن إسقاطها أمام لفظة (القبلة) تمثل محورًا رئيسيًا في هذا المقطع، فالأسباب كثيرة، ولكن الآلام والأحزان المخزونة داخلها تلفح وجه المعنى، وبالتالي تسربلت من خلالها الإيحاءات المتصلة بموضوع الخيال الواقعي.

ويواصل الشاعر ترجمة مشاعره من خلال هذه الرحلة ذات الأبعاد الإنسانية بروح رومانسية:

القدس على ظهري حمل               

كنت حملت، حبالي اهترأت           

كنت أريد القدس تعلمني الدّين       

.....  تعلمني لا أدري ماذا .....

لكني أعلم

أن النمل

لا ينظر للأعلى

الشاعر يعيش مع ذاته أزمة حقيقية ترجع إلى الوضع المأساوي الذي يعيشه بناء على معطيات موجودة على أرض الواقع، ولننظر إليه في استخدامه للفعل الناسخ الدال على الماضي مرتين ، وقد جاء ليعبر عن التغير الذي حدث، وسوء الأوضاع التي تحيط به باعتباره جزءًا من تكوين الشعب الفلسطيني:

 

تلك الحسناء تسير الغرب                  

نظرتْ                                    

ونظرتُ                                   

ضحكتْ...  وغمزتُ                           

ومضى كلّ في درب                       

- يا ذات العينين بعينيّ                      

إني أعرف أن الحب عميق الغور          

الحب السارق نبضي                       

يدرك أن الله الحب الموت                  

بجنين الأرض سيحمل معنى

كنت أريدك

فدعيني أسترسل   :

يا ذات الساقين

نتوحد حتى أنت تكونين الذات

ماذا أفعل إن لم أحضن كل جميل

في كل سبيل.....

أعرف أن الحب سيؤخذ في عنف

ما دام المحبوب دليل  !

 

إن قراءة هذه (المقدسية) بما تحمل من رومانسية خيالية واقعية إن صح التعبير نقلتنا من الذات إلى الذات الأخرى في محاولة من الشاعر لإيجاد علاقة واقعية مبنية على أساس من انعكاسات هذا الواقع، ولهذا وجدنا صور الشاعر تموج بالكثير من الألوان والأصوات والتجسيد والرؤى والتفاعلات المتداخلة من أجل الوصول إلى المعنى المطلوب.

الشاعر في المقطع الأخير جد متفائل، وهذا نابع من الشفافية التي يتمتع بها ورؤاه للمستقبل مستندًا إلى الماضي بما يحمل من عبق جميل أصيل، ومن هنا برزت العلاقة القوية في المقطع الأخير ،  وكان بروز التلاحم والانصهار سويًَا نتيجة هذه العلاقة، وبالتالي لا بد أن تنتصر الذات الحقيقية على الذات المزيفة.

وينتقل الشاعر إلى مدينة الثقافة والفن والحضارة الضاربة في الأعماق، إنها (بيروت) وهذا هو عنوان القصيدة التالية، فهاله ما يحدث لها وفيها من دمار لكل ما يمت للحياة، لأن بيروت بكاملها كانت تحتضن كل جمال، الجمال النفسي والروحي والفكري والثقافي، فكانت عين الشاعر من خلال وجدانه المحرك لفكره، ولهذا تفاعلت في نفسه ما غص به الحلق، وما كمد الحزن لِما آلت إليه نتيجة حرب لا دخل لها بها، حرب أهلية عصفت بكل معاني الحياة فأكلت الجمال ....وحولّت الحياة إلى توهان...

شاعرنا من خلال هذه القصيدة يتفاعل ويثور داخل النص ثورة عارمة نتيجة الواقع المأساوي:

في لبنان وغول الموت يجوب الطرقات           

يكمن في المنعطفات                              

نسر الرعب يغير على الأحياء                    

(وهنا لا ينفع مزمور أو آيات)                    

ينسى بلد الشعر الشعر ويكتب أشلاء

لغة، يُسمع صوت الغوغاء

وتقول إذاعة: لا تزال الانفجارات تُسمع

في أنحاء العاصمة اللبنانيه

وأقول : الشعر هنا لا يجدي !

 

ينقل الواقع من خلال الصور البلاغية التي جاءت في مكانها لإبراز صورة الموت في كل جانب من جوانب الحياة، فأضفت على المعنى بلاغة الفكرة، وإيحاء الكلمة، لينتقل إلينا بعد ذلك بأن هذا البلد الذي كان يشعر بالأمن والأمان، وكان للشعر والثقافة مكانهما فيه، فتحول إلى بلد للقنابل والانفجارات والقتل، وما دام الأمر بهذا الشكل فلا جدوى للفكر والشعر.

ربما لا يكون الشعر قادرًا على إيقاف حرب، لكنه قادر على بعث حياة جديدة من خلال الكلمة الصادقة، والفكر المستنير، ترجمة لواقع اجتماعي أو سياسي، وبالتالي يمكن أن يكون كأحد عوامل قتل الغول، والموت.

هذه الصورة الأليمة التي أبرزها الشاعر تنبئنا بالواقع الأليم الذي وصلت إليه الأحوال على كافة المستويات الإقليمية والعربية، وبالتالي لا جدوى من الكلام ، لأن الرصاص هو المتحكم الوحيد في فكر الناس جميعًا، حتى أننا رأينا جمود القرائح، وانكسار للكلمة لم يسبق لها مثيل. وننتقل مع الشاعر لنغوص في ذكرياته وعلاقاته في بيروت، ليضع مقارنة بما كان الوضع عليه وما آل إليه الوضع.

كم يا لبنان اشتقت إليك وقلت: متى آتيك       

أتفقد دور النشر..... وأرتاد بيوت العلم

وأنظر حتى أعلى هام الأرز                  

أقضي صيفا بل ليلاً فيك

وأزور الأحباب (سهيل منهم)

  وعلى ذكر سهيل

  كيف (الآداب) وتأديب الناس على الطرقات؟       

 

وإذا كان الشعر لا يجدي فلعل الشعر هنا يجدي! إنه يحمل رسالة إلى هؤلاء الذين نشروا الرعب لينظروا إلى إبداع الصنيع الإلهي، إلى أشجار الأرز في جبالها (عالية، وبحمدون) إلى المناطق التي تأخذ الألباب، إلى الأصدقاء الذين يحملون أمانة العلم، هل بقي الحال على حاله، أم اتخذ (النسور) الذين (يؤدبون) الناس مكانهم على الطرقات لسرقة كل الآمال والتطلعات والمشاعر والأحاسيس!

الشاعر يعيش ألم الوضع الحزين، وما استخدمه للفعل المضارع (أتفقد، انظر، أقضي، أزور) إلا ليظهر كيف كان عليه الوضع، وما آل إليه من خلال ما ابتدأ به النص، هذا الانعكاس الفكري صاحبه انعكاس بنيوي في النص، وليس في بنية الكلمة، وذلك من خلال الصور والموسيقى إضافة إلى الدلالات الشعورية الناتجة عن الواقع.

قلت قديمًا (يوم حوادث عمان)  :              

 ماذا يفيد القول في ردع الأعاصير ؟              

من يقرأ التبريح في ضوء الحروف الراعفه ؟     

أو يجرع الغصّات كي أبري ضلوعي:

من مدّ في أرضي كوابيسًا ثقيله

والنفس تخمد برهة قبل الرجوع

ينقلنا الشاعر من المكان إلى مكان ومن الزمان إلى زمان -  في محاولة لربط الصورة الحالمة بصورة الوضع إبان أحداث أيلول عام 1970 التي حدثت في عمّان، ولقد أراد الشاعر من طرف خفي أن يربط بين الأسباب التي دعت إلى ذلك، وحتى وإن وصل الأمر إلى ما وصل إليه، لكنه لا يمكن أن يصل إلى قتل ما لا يستحق القتل، فلماذا قتل الحجر والشجر؟! ولماذا قتل الأدب والفكر؟! ولماذا قتل الموت؟! ويحاول الشاعر في توالي المقطع السابق أن يبرز الوجهين المتقابلين في هذه المعركة الخاسرة بكل ما فيها من انتصار-

الدين:                                        

دعواهم عند الصلاه                                                 

 شقت لأجواز السماء                                          

ترنيمة صارت بكاء                        

 الردّ:                       

ضفرت تاجي كالمسيح                     

 لكن سأرفض صفع خدي الأيسر            

وأنا جريح                                  

الشاهد:                                      

هذه المدينة والوبأ                           

أنقاضها تنعى

 وتصلى  بالحمأ

فتكت بهم عند الظمأ

الخاتمة:

يا للنبأ

إنا أضعنا المتكأ

وأقول اليوم:

يا بلد الحرف المشرق والخوف

ما بال قراصنة تغتالك.........؟

هل صار الإنسان

رمز الشر على لبنان

 (أقسم أن الطفلة أسمعها وأراها)

من خلال توالي معطيات الأفكار، يفتح الشاعر أمامنا صور المأساة بين الشعب الواحد، ولكن كما يقول الشاهد تحوّلت المدينة إلى أنقاض، وتركت كل رقعة على هذه الأرض، ولكن هل هناك من مخرج لهذا الوضع؟ وفي النهاية أبرز بصورة واضحة أن الإنسان كان السبب وراء هذه الصاعقة، ويتساءل بألم هل الإنسان رمز للشر؟

الشاعر يتقرب من لغة الحياة، ليس فقط من خلال الألفاظ التي يتناولها، وإنما من خلال صياغة الواقع المؤلم بريشة جديدة مع بعثرة لمعطيات النص من خلال بناء خاص، وكأننا أمام مسرحية شعرية كل واحد يقوم فيها بدوره، ربما لا تصل إلى هذا التكنيك، لكن معطيات النص توحي بذلك.

لقد تحدث الشاعر هنا عن مأساة حقيقية، لأنها أصابت الروح، وهدمت الفكر، وجردّت الإنسان من إنسانيته، فأصبح الإنسان مجرد جسد بدون روح، تحركه أصابع أرادت لهذا الوطن أن يعيش تحت المنحنى، ورغم أن الشاعر يمتلك طاقات خلاقة في قصائد سابقة من حيث اللغة والتكثيف المطلوب والحوارية الأكثر تركيزًا، إلا أنه لم يكن هنا بمثل هذا الموقف في هذه القصيدة.

التجربة قاسية وتأثيرها سلبية وانعكاساتها ما زالت وستبقى، إلا أن الشاعر بقي يتعامل معهما من الخارج دون الدخول إلى الذات ليحفر من خلالها كل ما هو مطلوب للتأثير.

البداية كما نرى انفعالية لكنها همدت، لماذا؟ ولو بقي الحال على ما هو عليه لكان أفضل، صحيح بأن الشاعر في النهاية غيره في البداية، لكن الموقف الانفعالي الذي يسوقه إلينا لا يحتاج إلى مثل هذه القاعدة، فنحن لسنا أمام تجربة وجدانية، لكنها تنتمي إلى عالم الوطنية والسياسة، لهذا كان الأولى أن تسير القصيدة على وتيرة مع تنوع في العاطفة حتى تكتمل الصورة الجمالية والإبداعية والتذوقية.

وعلى غير العادة، وبتفرد غير مسبوق يقسّم النص إلى مقطوعات، فبدلاً من أن يتم ترقيم كل مقطوعة برقم أو بالأحرف الأبجدية، فإننا نجده يبدأ بالباء ثم باللام، ثم بالدال ثم بالياء، وإذا جمعت بعنوان (بلادي) والواقع أن الشاعر لم يكن هدفه التفتيت، وإنما التجميع فجاء العنوان " الشيخ والبحر" يقول:

المسجد أضحى حانة                          

وخشوع المؤمن                             

-       كان البحر بيانه-                             

أمسى في اللغة الأخرى                       

مزمور مجانه

الصوت يجلجل يزجي إيمانه

لكن

من عربيد يطلق أرسانه

الصورة العامة التي سيطرت على هذا الجزء من النص (ب) تتمثل في حالة من الهم والسوداوية، وكأن المدينة تحولت إلى وجه آخر غير الوجه الذي عُرفت به، فالمسجد وخشوع المؤمن لم يبق على حاله، وكأنه أصبح غريبًا عن داره، وهذه الغربة المعنوية لم تنشأ لفراق أو بعد أو رحيل، بل من محتل غيّر وجه الحقيقة وحولّها إلى حقيقة أخرى، فتحول الإنسان والجماد حسب هذا المنظور الجديد الذي نشأ تبعًا للقوة، لهذا نجد صورة التمادي التي ساقها إلينا ليشعرنا بحالة من القلق التي سيطرت عليه، وحالة الغربة والضياع، وكأنه ينادي هذه بلادي.

أما المقطع الثاني المعنون بحرف (ل) فيقول فيها:

كان الشيخ على عادته                            

 يجلس ويبث البحر حكايا بعد صلاة العصر       

والبحر يسرّي أحزانه                            

- فأمانا يا بحر

قد أودعت فؤادي بجمانه

فأعد لي ما أودعت أمانة!

 

يمثل هذا المقطع جزءًا من أقصوصة تحمل في طياتها المعاني الكثيرة، أولها يتعلق بالشيخ والمسجد، والثاني العلاقة بين البحر والشيخ، وثالثًا بالأمانة - الوطن ، فهل آن الأوان لإرجاعها.

ولننظر إليه في المقطع الثالث فيقول:

 

تسأل أمواج متكررة الإيقاع                     

في صوت ملتاع                                

عن غيبة شيخ

فأمانته في القمقم في القاع

 

يأتي الجواب في السطر الأخير من هذا المقطع، ولكن، لماذا لم يعطه البحر أمانته؟ هل بدأ ينطق لغة غير اللغة التي يعرفها البحر؟ أم أن البحر رفض إعطاءه الأمانة؟ فيقول:

- ماذا تطلب؟ (في لغة ليست لغتي)              

-أطلب كأسا (وأنا مسلم)                        

كي أنسى.. بل كي أذكر درسًا                   

أذكر رأسًا

أنسى

أذكر

 أنسى

أذكر أذكر أجتر مهانه.

 

حرف الدال في "بلادي" تمثل حالة اضطراب شديد، وربما حالة من الفوضى التي أرادها غير مبررة كثيرًا، ولو اقتصر الأمر على نصفها أفضل، لكن الشاعر أراد أن يظهر مدى ما وصلت إليه الأحوال (كأسا وأنا مسلم كي ينسى) لم يكن الهدف من ذلك استسلام، ولكن الكأس صحوة دون أن يتعاطاه، فهل استطاع الشاعر أن يوصل هذا المفهوم، ثم جاء التكرار الذي يحاور المعنى، ويضفي حالة من اللاوعي عليه.

الشاعر رغم تأكده من الحالة إلا أنه يحاول ألا يؤكد هذه الحقيقة لاعتبارات موضوعية، وتنتهي القصيدة (بلادي) بثلاثة أسطر:

البحر يمزق أردانه

مئذنة حبلى بالقمة (والنعمة للسياح)

وصديقي يجتاز مكانه

صراعات وصراعات، تظهر معالمها من خلال (المئذنة) ومن خلال (السياح) حيث يبرز التناقض والعنصرية من خلال هذين اللفظين لما لهما من دلالات وإيحاءات نفسية......

               أما قصيدة "نار..ونور"  التي بدأها الشاعر بفعل الأمر، وكرره ثلاث مرات موحيًا بمعنى إنساني مستلهم من قوله تعالى {يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم} فيقول:

كوني بردً وسلاما                         

كوني حبّا وعطاء                         

رمزًا للنقاء                               

في جوفك كل الأبناء                      

وعيون حول جنت                        

تأبى كل حوار                           

فاحكي عن جنات تجري فيها الأنهار     

عن قرآن الأسحار

عن صحراء ترويها الأمطار

عن بسمات تعبق بالأنوار

كوني بردًا وسلامًا يا نار

ملاحظة:

ما عدت لأخشى بعدك إنذار

أن أُحرق إن كنت من الكفار

ما أبرزه في هذا المقام تمحور حول صورتين متقابلتين كما رأينا، ولكن الصورة الأكثر إشراقًا هي صورة التحدي التي ظهرت في الأسطر الأخيرة.

وبعد تمحص للنص من حيث المضمون رأينا بأنها لا تلبي كل الطموحات التي كان يجب أن تمنحه للقارئ، صحيح بأن القصيدة فكرتها جديدة، وكذلك المضمون، إلا أن ما يتمتع به الشاعر من معجمية لغوية وفكرية لا يتوازى مع المضمون الكلي للنص.

وربما لا نكون مبالغين إذا اعتبرنا قصيدة " يا راشد" التي يرثى فيها صديقه الشاعر أرقى فنيًَا وموضوعيًا، فهي ترتكز على العاطفة ذات الشحنات الخاصة والقوية، والفكرة ذات المضامين المتميزة، والصورة الفنية، والتوحد في البناء الفني للنص، أما النص فقد ألقاه في جنازة صديقه (راشد) حيث يفتتحها بجمل تحمل  مضامين كثيرة ، وإيحاءات إبداعية  ومؤثرة ، وجمالها نابع من بنيتها ، فيقف على مسيرة حياته الأدبية، ومن ثم ينقلنا إلى مميزاته التي كان يتصف بها، وصولاً إلى الصمت العميق، ولكن الشاعر يتخذ من هذا الصمت منطلقًا عميقًا، ليقول: إذا كان الجسد قد توارى، فإن وفاءنا لن يتوارى، فمآثرك فاقت الحدود. وسنبقى نذكرك في كل لحظة، وهنا يستخدم الشاعر الفعل الماضي، وهذا أحد جوانب الإبداع-  بغض النظر عما سيكون عليه النص : "كنت جريئًا، وضئ الصوت،رسول الفعل،فداءً ونضالاً، تخدم شعبك، كي يتألق....." هذه الألفاظ والجمل تحمل بعدًا إنسانيًا إضافة  إلى كونها ساهمت بتنمية العاطفة وتنوعها،ورغم ذاتية التجربة إلا إنها حلقت في الآفاق لتحمل شمولية وبالتالي يكون التأثير المطلوب.

لقد اتخذ من قصائده وسيرة حياته منطلقًا ومرجعية إلى الأبناء من أجل غد أفضل مما هو عليه الآن ،  وإن كان يقر بأن هذا الجيل يلبي طموحات كثيرة.

ويأتي وصف الشاعر في الجزء الثالث من النص بإظهار انتماء الشاعر لوطنه من خلال أسلوبه ومنهجه سواء من خلال قصائده التي طغت عليها الوطنية أم من خلال منهجه العملي والفكري في الحياة.

يا ابن بلادي:كنت بها برًا حرًا              

تحلم فيها مثل عشيق يحلم في حبه          

يهمس في إذن المعشوقة سرا

تخصب فيها الإيمان

وفي نهاية النص يقدم الاعتذار لصديقه لأنه لم يقل فيه إلا القليل:

عفوا إن كنت أكف القول

فأنا أدرك  أن طريق الحب طويل        

وطريق الحب غليل                             

فاعذرني

إن كنت أقول قليل

غيضًا من فيض الوجدان

 

إن أهم ما تتميز به القصيدة إضافة إلى البنية الفنية لها هو عدم اعتبار الموت فاجعة، وهذا ما نراه عند اغلب الشعراء خاصة إذا كان الأمر متعلقا بالوطن، فالإيمان بالموت يشبه الإيمان بالحياة  ، وذلك لأنهم يتخذون منه بداية جديدة ...ولهذا غلب على النص التوازن الفكري.

أما قصيدة "حميدة" فتمثل ترجمة المقروء إلى شعر ، وهذا ما قراه الشاعر في إحدى الصحف المحلية بأن مواطنًا من أهالي "عابود" الفلسطينية تبرع ببناء مدرسة ثانوية ،  فكانت هذه القصيدة.... والواقع أن هذا اللون من الشعر يوازي في مضمونه الحدث المرئي ،  فكلاهما يصدر من موقف ،  ويؤثر في الوجدان، ويحرك المشاعر،  فندرك القيمة الحقيقة للفعل والكلمة في آن:

    تبارك شـعبنا شعب  العطـاء                 وقـد وهـب الزكي من الدماء

   تقدم  للعـلا والـمجد   شـأوا                 ليدفع جهـده شـر    الـبلاء

   تـهز الأريـحية كـل  شـهم                 فـيدفع عـن مـــآثر للعلاء

   يـزكي مـاله دفعًا   لـجهـل                 ويبني العلم مـرموق   البنـاء

   بمثل صنيعه نـزهو  وأزهـو                ويبقى عبرة لذوي   الــثـراء

   فمن بين المعاهد فـهو  رمـز                يبارَك ثـم يسـعدْ     بالعطـاء

   فلو في كل أرض مـن  نـحاه                لأصبحنـا عـلى نـهج  الوفاء

   يظل الـنصر فـي أبناء شعب                 بهم سـبق إلـى حـمل اللواء

   وكـم (عابـود تدعونا بصدق               لأن نـبـقى جميعًـا فـي  إخاء

   وتـورث أرضنا  حبًا وسلمًـا              ونمـلاً   أرضـنا عـدل  السماء

 

من الإمعان في تلك الأبيات نلحظ بأن الشاعر لا يقف في القصيدة عند مدح السيد "العابودي" ، وإنما تجاوز ذلك إلى ما هو أبعد -  من خلال عطاء الفلسطيني لحياته من أجل وطنه، فهذا العطاء يمثل جزءًا من العطاء المتجدد والمستمر من أجل الوطن.

وطبيعي فإن هذا العمل الخيّر في ظل ظروف مالية صعبة يثير مكامن الشعراء من أجل تحفيز الغير على التماثل بمن يقدم عملاً متميزًا للوطن، ومن هنا نجد أن الشاعر كان محقًًا فيما ذهب إليه، وقد جمع بالفعل فيه القيمة الفنية والموضوعية، وإن كان هناك بعض القوافي جاءت في غير مكانها.

وينقلنا الشاعر إلى قصيدة أخرى، ربما تكون قريبة الشبه في مضمونها من القصيدة السابقة ، وتتمحور حول بعض الطلاب الذين حصلوا على درجة الماجستير فينظم فيهم قصيدة تمثل تأثرًا بمدرسة الأحياء والبعث، وننقل هنا أجزاء منها:

 

مرحـى  لكم للجِد  والعمل                         لا زلـتم في  مضرب  المثل

حييـت فيكم  كـل مكرمة                         أهـلا بكم فـي كل مـحتفل

أهـلاً بعلم ظـل  زينتنـا                         أنعِم به، أزهـى من  الحـلل

صـغنا به مجدًا ومـفخرة                        فـي صفحة  غـراءَ لم تزل

(اقرأ) تـعالـى الله قائلها                          قد رنمت في الأعصر  الأوَل

 

وفي القصيدة التالية التي نسوقها في هذا المقام، ويرسلها إلى سجناء عسقلان وسجناء الحرية في كل مكان يقول فيها، وهي بعنوان"وأيَ مهند":

وتظل الجدران هي الجدران تحدق              

وتنامون مع الأمل العذب المشرق              

ليل نهار

ومذاق النكتة يمسى ضحكا مغصوبا 

والعشق المقهور يعري كل الأسرار

إن التعبير عن المأساة التي يعيشها أبناء فلسطين يكمن جزء منها في المعتقلات المنتشرة في أنحاء متفرقة من "إسرائيل" ، حيث يُزج فيها من يحاول أن تسول له نفسه الانتقام لنفسه أو يفكر بذلك، وشاعرنا كواحد من الشعراء الذي يتفاعلون مع أبناء شعبهم، ويعيشون المأساة بكل ثقلها وهمومها، يتأثر بما يشعر به .... فيرسل هذه القصيدة إلى هؤلاء الأحرار في سجنهم رسالة تمس الروح، فهو يأخذنا إلى السجون، ويعايشنا واقع الأحرار، وكيف يعيشه هو داخل الجدر المشيدة حيث الصراع النفسي والعذاب الروحي وقتل لكم القيم النبيلة في الإنسان، حتى لكأننا رأينا الشاعر يعيش معهم ،  ومن هنا جاءت التفاعلات النفسية  التي ساقها كفيلة بإبراز كل صور المعاناة وما تحمل من عذاب نفسي كبير:

يا أحبابي!                                                

كيف العيد وطعم الأفراح المسجونــه ؟                      

كيف الله على ميزان حرارتكم  ؟                          

كيف الجنس تكفون مجونـــه ؟                                 

قد نسأل عن ليلى الأرض                                

عند الصبح الضّوء                                      

الأرض وليلى نصفان مليئان بوهج النبض               

وشعاع الضوء الممتد

يجعل كل الجدران الصلبــه

تعجب من قصة مد

فلنكتب رغم السجان

ولنحفر بأظافرنا

" أعلام الأدوية الخضراء

تنسج أو تزرع

والبركة في الأبناء"

- عسى الصمتُ الذي غُذيتَ منه                يـكون وراءه صـوتٌ  حبيـبُ

   فيـأمن خائـف ويُـفك  عانٍ                 ويأتـي أهلَه النـائي الغريـب

 

شعره بعامة ، والقصيدة التي أمامنا بخاصة تظهر كم  كان الشاعر  ملتزمًا تجاه الغير، فديمومة الشعر لا يمكنها الاستمرار إلا إذا تفاعل الشاعر مع الواقع، وأظهر هذا التفاعل الإيجابي داخل النفس، فليس المهم الكتابة،ولكن الأهم هو مضمون ما يُكتب حتى يستطيع أن يحقق الشعر رسالته في الحياة،وها هو في هذه القصيدة يتفاعل مع هؤلاء السجناء، ويتساءل عما يهمهم ،  وما يكابدون من آلام الفراق ،  وكيف يصبرون على غوائل السجن.

ولا نبتعد كثيرًا إذا اعتبرنا أن الشعر الجيد هو ذلك  القادر على معايشة الواقع والإحساس بكل ما يدور حوله،وبالتالي تظهر ملامح الجودة على الصور الشعرية والألفاظ المنتقاة التي تتناسب مع المعنى.

أما قصيدة "حَمَلتُه وهنَا " التي جاء عنوانها مضمنًا قوله تعالى "...حملته وهنًا على وهن..." ويهديها إلى "عفاف" ولا نبتعد كثيرًا إن اعتبرنا بأن "عفاف" هي زوجته، وبالتالي ما صاغه إلينا نقلاً عن مشاعر تعيشها الأم فترة الحمل، وساعة الولادة، فهذه الأحاسيس المتناثرة التي يسوقها إلينا علي عادة الرومانسيين ما هي إلا أحاسيس خاصة، لكن يمكن أن تخرج عن هذه الدائرة إلى الاجتماعية:

عذاب:                                          

تعلو صرخات في ساعة الوضع                 

كان يغالبها ويزمجر فيها روع                  

لا نبلع ريق                                    

والصوت صدى الصوت                        

...............

والله ...الله ملاذ                                 

 ونعوذ به من موت                                 

المسيرة:

ونسير                                            

نسير... نسير

تتقد الصرخات وتنحرف

وتخدر أعصابي

أتفجر

هل أقف؟

وارى نفسي عند الباب حسير

اللحظة الحرجة                                   

تدخل

 أمزج خوفي بالشوق                      

خوفي من نبض في أوراق خبير                

شوقي للمجهول بمكنون الدر                    

والله يعيش على أجزاء اللحظة                  

وإذا الزمن الممتد زمانًا في بضع دقائق          

يخبرني :                                           

أن النبض يجيب                                

أن حبيب...                                     

يظهر نجم                                      

العبور                                          

الوجه العابر بضحك في الدمعـه      

ويقول اشتعلت شمعـــه                            

الوجه العابر

يحتضن الدنيا مثل امرأة تتشكل

وملاك قد يقرأ "بشراك"

قراءة أولى:

يسحب خطوا ممتزجا شكا

يعرفه

يعرفه من لون يخفق فيه الشعر

ودم يبدو مقروءًا اسمه

ويقول: أنا اقرأ

ها إني أتجدد..أتعدد

في اليوم التالي

يعرفه عن بعد

 وغدًا يكتشف الأفق

"ها لله ها لله"

 

إن المدقق في معاني القصيدة يشعر برهافة متناهية يتميز بها الشاعر، ومشاعر رقيقة تسيطر على معانيها،كيف لا يكون ذلك والموضوع يتعلق بزوجته، فهو يحس هنا بكل ما تعانيه من آلام الحمل والوضع، هذا اللون من الشعر الاجتماعي يوضح لنا بأن الشاعر لا يتفاعل فقط مع الأرض والوطن، بل نجده مع اقتراب الناس إليه، وهذا يدل على تنوع في الاتجاهات والموضوعات ....وهذا بطبيعة الحال يُظهر إبداع الشاعر في تناوله لكل القضايا الوطنية والاجتماعية والإنسانية.

ويضمن الشاعر الجزء الأخير بخمس قصائد"من أصوات الذات" :  الأولى رسالة إلى الشاعر"مظفر النواب " بعنوان " تنويعات منّا فينا " وتتكون من أربعة مقاطع يسيطر عليها مسحة إنكار لا حدود لها " إن قمت سأبصق في وجه الكون ... في وجه اللؤم وفي وجه الحقد وفي وجه الكذب " ، ولقد أراد من خلالها التعبير عن إرهاص الذات من خلال الواقع مع ارتكازه على معطيات العصر، وتداعياته ومآسيه، وأول ما يستوقفنا في هذه القصيدة هو الإيقاع الداخلي من خلال حركة النمو في نسيج العلاقات بين الصور... حتى أن التوتر النفسي المسيطر على الشاعر قد برز في دفقاتة الشعورية والألفاظ ذات الدلالات المكونة لهذه الدفقات، فبدت بينة النص مترابطة لنا من خلال تواليها وتماسكها، وبالتالي جعل الصور تتحرك مع بعضها لجعل الترابط سمة أساسية في بنائية الفكرة، ولهذا اعتمد الشاعر في ذلك على الموسيقى اللفظ وموسيقى الشحنات الانفعالية،وكأنه يريد من رسالته، إلى مظفر النواب أن يوضح حالة التلاقي الفكري:

 

دعني أقرأ أفكار المجنون                        

يقرأها في قارعة الدرب                         

خذني كالطير إلى مائدة فيها ما لذ وطاب        

واسرد لي عن شعبي                             

واسبقني كالعين إلى ما يعجبني                 

أنظرني حتى حين                            

قبل الطرف سيرتد                             

قبل القلب يهون                               

قبل الموت سيمتد                             

أو قبل الشمس تبين                           

صدقني ما آمنت بمبدأ                          

صدقني لا ادري أين المرفأ                    

الكل هراء بل أسوأ                            

صدقني ما حل العقدة فكره                    

إني لا احمل عبره                             

لا أفهم معنى النظرة                           

حتى الإيمان يسمى عندي كفرا                

حتى الطهر يسمى عندي عهرا                

لا أومن في شيء                             

لا أومن

إن قلت لنا:الأوهام تضيء الدرب

أو قلت لنا عن مرموز في طيات القلب

أو حتى تجعلنا نؤمن في الذات

سأقول بكل ثبات:

لا أومن في شيء

- خذني كالطير إلى مائدة الأرض

مائدة سلبوا منها نبضي

واسبقني كالعين إلى أحزاني

من قبل أقوم

إن قمت سأبصق في وجه الكون

في وجه اللؤم وفي وجه الحقد

وفي وجه  الكذب

في وجه الناس المسحوقين

في وجهي الظاهر في المرآه

الضالع في المأساه

الظلم يسود الكون....

فلماذا يسكت أولاد الكلبه

وأنا خوا الركبه

والظلم يسود الكون ؟؟؟!!!

هذه جزء من التوقيعية لرسالة الشاعر إلى الشاعر مظفر النواب، الشاعر في رسالته كما نرى يعيش حالة من عدم الاستقرار النفسي نتيجة الواقع المهين الذي يسيطر على الحياة - بكل وجوهها، ولننظر إلى الصور التي ساقها إلينا، إلى العاطفة المتنامية كالصاعد جبلاً،والى قوة الألفاظ التي استعان بها لإبراز صدق العاطفة، والتنوع في الأسلوب، كل ذلك ساقه إلينا من خلال دفقات شعورية محمومة إلى درجة الكفر بكل القيم والمبادئ التي كان يؤمن بها.

إن حالة عدم الاستقرار التي تسيطر على الشاعر لم يكن لها تأثير على بنية الكلمة إطلاقًا، ولم تتأثر الأفكار، ولهذا تنامت مع العاطفة، وبرزت الصور الشعرية متجانسة مع التجربة،إلى درجة ابتعد فيها الشاعر  عن الانغلاق في المعنى، واكتفى بالترميز الشفاف كلما تطلب الأمر.

       أما الدفقات الشعرية، فجاءت حسب الحلة الشعوري التي يعيشها الشاعر من خلال الوطن، والشاعر كما نعلم يعرف متى يجب الإطالة، وتى يجب التوقف، ومتى يجب الربط من خلال الجمل الشعرية، لهذا كان التناسق عماد القصيدة، مبتعدًا عن التهويل أو التعتيم في الفكرة التي جاءت الدفقة تلبية لها.

الصور تحمل الكثير من علامات التناقض الروحي من خلال رؤيته للإيمان كفرًا، والطهر عُهرًا، هذا الإسقاط من النفس على الواقع ما هو إلا جزء من حالة الشاعر غير المستقرة.الشاعر يتحدث عن مأساة حقيقية مصدرها الواقع، ساقها إلينا الراوي عبر ثورة عارمة للسلب والمؤامرات، فيتراءى لنا سلب النبض والحياة.

إن تعبير "مائدة الأرض" صورة شعرية تحمل رائحة كريهة تشوبها شوائب العصر المتحضر، وارتكاز على الواقع الاجتماعي الأليم، فالسلب بمدلولاته يعني الكره والحقد والخداع، ومن ثم الليل والسواد، هذا المستوى التركيبي الذي ساقه إلينا مستمد من عصرية العصر، ورؤى العصر الجديد الذي يظلم صاحب الحق من أجل الظالم، ليحمل الكثير من الدلالات ذات الأبعاد السلبية التي تؤثر على المظلوم.

الشاعر لا يحمّل الغير مسؤولية ما حدث، وإنما هو نفسه يتحمل المسؤولية، وهذا في الواقع لون من ألوان التأنيب الذاتي، وصورة للاعتراف بالخطأ.

وننتقل مع الشاعر إلى المقطع الثاني يحمل في طياتها أشد العذابات التي تقع على الفلسطيني جسديًا، وفكريًا وتراثيًا وحضاريًا، فقد صاغ الشاعر بأسلوب متميز من خلال حشده الأفكار  لإبراز معطيات الفكرة لصورة أوضح وأجل:

 

دعني أقرأ أفكار المسجون                     

 - ها هم في الدرب يموتون                    

وأنا مت على نشر الأخبار المسمومه           

 وأنا كنت أفكر أن لا فكره                      

إلا في حرب الأسفار المهزومه                 

من يكتبني حرفًا  حرفًا فوق جبين                      

أطفال الطيرة                                  

والطيره ؟؟

من يقرأني حرّفا حرفا ؟

في عكا في حيفا؟

من يقرأ حتى يفهم

الدرب مضيء كالأشباح

عند التلة كالأنثى ترنو

في نظرة حب

وأراها تكشف عن جسد يحنو....

الشاعر يريد أن يبتعد عن هذا الواقع ليس خوفًا أو هربًا بقدر ما هو التصاق أكثر، وإذا كانت مستويات تركيب السجن تعني الإذلال والعذاب والقتل النفسي والجسدي فإن هذا يعكس صورة المحتل ليكشف اللثام عن حقيقته وأساليبه اللاإنسانية ضد أبناء فلسطين (ها هام في الدرب يموتون)، إنه الموت الروحي والفكري والجسدي، ولكل القيم الأخلاقية ولا يبتعد الشاعر عندما يقول (أنا مت) وموته نفسي أكثر منه جسديًا، ويعتبر أصعب أنواع الموت، لأنه يحوّل الإنسان إلى شيء في واقع يتطلب منه أن يكون شيئًا.

ولننظر إليه كيف ساق إلينا الصورة البلاغية التي أبرز فيها  المعنى، وكأن هذه الصورة هي مفتاح الأسطر التي سبقتها والتي تلتها، فقد أجمل طبيعة الحياة في عبارة موجزة (الدرب كالأشباح)   ، ولا شك في أن هذه الصورة أضفت على المعنى الكثير من الدلالات والإيحاءات التجسيدية: وينتقل الشاعر إلى قراءة أفكار البائس، فما هي أفكاره؟

 

دعني أقرأ أفكار اليائس                    

ما يعجبني أحوال الطقس الهمجي        

والطغمة عاثت في الأرض فسادًا            

أدركَنا كل شتات                             

إنا نأكل كي نحيا                            

ونعيش، فدعنا نأكل كي نحيا                

دعنا نهزأ من هزء الدنيا                    

فأنا بالرغم من اليأس                       

أرفع صوتي محتجًا                         

منذ علي أو قبل عليّ                        

لا يعجبني حاكم

لا يعجبني من يتملق

ويبيع كرامته بخسًا إذ يتشدق

تبًا للشعر الغارق من سفله

تبًا للغة المبتذله

لغتي بيعت في سوق الأوحال

تبا للغة المسبيه

لقحها عبد الشهوات الدجال

كفرًا بالإنشاء وبالأسماء

كفرا إن كنا نبقى في هذي الحال

رغم ما تحمل تلك الأسطر من اضطراب نفسي، إلا أن الاتزان الفكري هو المسيطر على المضمون بشكل عام، ولهذا استطاع أن ينقل إلينا الأفكار التي تعيش مع اليائس بكل دقة، لقد تحول هؤلاء إلى جماعة على هامش الحياة، تأكل وتشرب لتعيش، دون طموحات ولا رؤى، ولا آمال ولا حتى أحلام، هذا كله يجعل الفضاء الرمادي أسود، وجعل الحياة دون معنى، ولكن هل الحال سيستمر على ما هو عليه؟ لقد جاءت الإجابة صريحة على لسان هؤلاء البؤساء، جاءت تحمل معاني التحدي، وبعبارة موجزة، ودفقة شعرية واحدة أنهى صورة الصراع الذي جاء في الأسطر السابقة (كفرًا إن كنا نبقى على هذا الحال

 

الصورة التي نقلها الشاعر إلينا على لسان اليائس لم تصل إلى حد الاستسلام، فبرغم الواقع الأليم، فهذا الصوت يعلو محتجًا، وهو أضعف الإيمان، ورغم رؤيته لمن يبيع كرامته في سوق النخاسة، وللمتلقين الذين أضاعوا هيبة اللغة، إلا أن هذا لن يطول. إذن نحن أمام قوتين قوة الحق- وهي الأضعف في هذه الفترة، والباطل وهو الأقوى، ولكن ليس القوة التي يتشدق بها هي النهاية،فصاحب الحق رغم ضعفه لا بد أن يصل إلى حقه بأي السبل، والقوي لا بد أن تزول قوته عندما يرى أن قوته مبنية على زيف التاريخ، لهذا جاء الفرض القاطع لاستمرار الحال، ويطالبنا بالثورة لاسترداد حقنا.

ونقف بعد قراءة لأفكار المجنون والفقير واليائس، نصل إلى أفكار الشاعر:

دعني أقرأ أفكاري                           

وأنا في قلب النار                           

دعني أكشف أسراري                        

دعني أعلن إصراري                        

يوم صرخت وما ندّت عندي آهه            

إلا امرأة كانت ترمقني كإلهه                        

قالت:                                        

كيف تصارح من لا يفهم؟                    

كيف؟ ألا تندم ؟

ولماذا جدت الدمع بقاروره؟

رفقًا بي !

تبكي وحدك مذعورًا

هل تؤمن حقًا في شيء؟

هل تؤمن حقًا؟

هل تؤمن؟

هل؟

 

ثمانية استفهامات ساق إلينا الشاعر في معرض قراءته لأفكاره، فهل استطاع أن يوصل إلينا ما يريد؟ الاستفهامات التي ساقها أنبأتنا بأن حالة من القلق تعتور كل مشاعره وأحاسيسه، ومن الاضطراب الفكري، والقلق الروحي، وما دام الشاعر عرف وحدد أسباب ما يقلقه فهذا طريق الحل، وللخلاص لما صار إليه، ومن هنا كان اقتراب الشاعر من المشكلة سبيلاً إلى حلها.

والقصيدة تظهر كما رأينا- حالة من حالات الكبت السياسي والنفسي الذي يعيش فيه الشاعر كواحد من أبناء فلسطين، حيث أظهرت هذه الرسالة صورة للوضع من خلال تقسيمات الشعب على مشاعره لأن ما ساق إلينا يمثل الواقع.

ولما كانت القصيدة بنية إيقاعية متجانسة داخليًا وخارجيًا، فإن الشاعر رغم ما اعتوره من حالة نفسية غير طبيعية، إلا أنه لم ينس تحقيق عناصر التقارب والانسجام بين الألفاظ ومعانيها، وبالتالي تحققت لدينا صورة وحدة النغم الموسيقي مع وحدة النسيج الفكري الذي حقق التكامل والتوحد داخل النص.

أما القصيدة الاجتماعية التي قالها الشاعر إثر خلاف نشب بين عائلتين من قرى فلسطين، فقد اعتبرها لونًا من ألوان الجاهلية الأولى، وهذا ما سمّى القصيدة بـ "جاهلية" ، وقد ارتد الشاعر بفكره إلى الوراء من خلال قصيدة للشاعر عمرو بن معد يكرب الزبيدي:

 

لما رأيت نساءنا    يفحصن بالمعزاء شدا              

وبدت لميس كأنها  بدر السماء  إذا تبدّى                                 

 

وقول الشاعر في معرض النص:                   

ونساء (جماعتنا) زغردن

(وفحصن) الأرض بأرجلهن

و (لميس) تحرق بيتًا

للجار الأظلم

والشاعر في القصيدة يظهر صورة التعصب القبلي ويصفها بأنها عادة مشينة، وعلينا الابتعاد عنها ،  لأنها تقتل فينا كل المعاني السامية التي تؤهلنا لنتمتع بإنسانيتنا وحياتنا والاتصال بالآخرين، وقد أراد الشاعر أن يقدم نصيحة بعدم الاعتماد على العصبية..... والرسول الكريم يقول (دعوها فإنها منتنة). ورغم ارتكازها من خلال معانيها على حسٍ ووجدان مفعم بروح الالتزام والانتماء للوطن إلا أن الشاعر لم يمنح الفكرة قيمتها الحقيقية، فقد ترك لنا النصيحة بعيدة عن التشكيل وترك لنا مجال تشكيلها، علمًا بأن جزءًا من رسالة الشاعر التبصير، ولكن ليس هذا يمثل انتقاضًا من قيمة النص الموضوعية، وإنما الشاعر يخاطب فينا العقول، ولنا أن نتصرف من خلال هذه الدوائر.

ليس المهم النص، بقدر ما يسفر عنه النص من مردود إيجابي على أرض الواقع،وتأثير مستقبلي يمكن أن يكون انطلاقة في بناء جسد من المحبة بعيدًا بدلاً من لغة العصبية والتقاتل.

وأقف عند قول الشاعر:         

  فمتى ترفض هذا الأجيال ؟

والواقع يقول بأن الأجيال لا يمكنها أن ترفض هذا الواقع المؤلم مهما بلغت من العلم ومن الثقافة والتحضر، لأسباب اجتماعية صرفة قائمة على التعصب العرقي والنسبي وغيرها من الجاهليات.

إن التفاعل مع الحياة ومظاهرها لون من الإبداع للأديب واقترابه من الواقع من خلال مس الحياة بفكرة، أو بمعنى أو قصيدة، وهذا يصب في خانة الأدب، فالذي يكتشف هو مبدع، والذي يرى يكون مبدعًا، والذي يقوم على وضع التصوير يكون أيضًا مبدعًا، فنحن إذن في دائرة مغلقة، ولكنها مفتوحة على نفسها فقط من خلال التفاعل والتمازج والتكوين. وبالتالي يستطيع الشاعر أن يكون واقعيًا وملتزمًا إلى أقصى درجات الالتزام.

ومن خلال هذه القصيدة رأينا كيف يستوعب الشعر كل شيء، وكيف يستمد من الوجود واقعًا، ومن الواقع الزاخر بكل آماله وتطلعاته مادة قادرة على فتح آفاق جديدة للكلمة والفكرة، ولهذا نجد بأن الصورة لا تقف فقط عند حدود الكلمة من ذاتها، ولكنها تستوعب أكثر من معنى داخل اللفظ الواحد، وهنا يكمن جوهر العمل الفني وإبداعه، تبعًا لتطور المساق النفسي للشاعر. ويتبقى من الديوان ثلاث قصائد فيها من التجانس الفكري مع القصائد السابقة بصورة واضحة، فالقصائد هي " أصداء للذات" -  كما يقول، فالأولى (قصة قصيدة) والثانية (يجري زمن) والثالثة (تتويج) وهي ومضة وطنية.

الشاعر من خلال تلك القصائد يلّون في عاطفته، محاولاً أن يولّد روحًا جديدة داخل النص من حيث الفكرة، ويقيني بأن الشعر قادر على ترجمة كل شيء من خلال الكلمة، لكن يبقى الإبداع، وهل استطاع الشاعر أن يصل إلى هذه المرحلة، فالنص ليس قائمًا على حروف وكلمات، لكن يلزمه المضمون القائم على التناغم الفكري والعاطفي والموسيقي، وهل استطاعت القصيدة أن تكون شيئًا في خضم هذا الواقع، وهذه الدواوين الشعرية؟ وبالتالي تمارس لغتها على الذات؟ إن صدى الكلمة أقوى من صدى كلمات، وصدى الكلمات أقوى من صدى قصائد، وصدى القصائد أقوى من صدى معلقات، وصدى المعلقات أقوى من صدى الدواوين، وصدى الدواوين أحيانًا أقوى من رصاصات تطلق في وجه عدو، لهذا فإن دور الشاعر لا يكمن في إلقاء ونظم الشعر جزافًا ،  وإنما في القيمة الموضوعية التي يتناولها، ومدى علاقتها بالواقع بكل أبعاده، لهذا فإن القيمة الموضوعية التي يتناولها، ومدى علاقتها بالواقع بكل أبعاده ..... لهذا فإن القيمة الحقيقية للنص تكمن في مضمونها ، وبالتالي يأخذ الشكل ما يتناسب والمضمون والمشاعر أيضًا.

إن قصيدة (قصة قصيدة) تتجاذب فيها لغتان، لغة التوقف عن الشعر وما صاحبه من ألم ومعاناة وتصحر للفكر، واللغة الثانية ترجع إلى عودة الكلمة والشعر بالذات، لكن هذه العودة تحمل الكثير من المعاني وما صحبها من نزع خفي للذات والروح -  لأسباب تتعلق بالحياة ومعطياتها، ومن هنا استطاع الشاعر أن يحقق لنفسه رؤية فكرية قائمة على مناجاة النفس وتفاعله معها، وحواره الداخلي الذي ساقه الشاعر من خلال الدلالات اللفظية والمعجمية.

أما قصيدة "  تتويج "  فيقول فيها:

الأمل المخضر على صفحة قلبي              

يسألني يومًا يومًا عن دربي                   

يسألني هل أملك أن احفظ عرضي؟          

أن أعشق أرضي؟                             

هل تثمر كي يطلع حبي؟                     

والأمل المخضر يقول: (نعم)

والبسمة تزهر في عين الأطفال

وتغطي كل ألم

والهمة تشرق في عزم رجال

ويكون علم

 

لقد توّج الشاعر ديوانه بومضة تحمل كل معاني الأمل والانتماء للوطن وعشق لهذه الأرض التي يحيا عليها مع شعبه، روح الانتماء والالتزام تتجسد من خلال ما ساق إلينا من معان سامية، من أجل البقاء وديمومة الحياة.

ويرفع العلم إيذانا بقيام الدولة الفلسطينية، وهذا هو نهاية المطاف، ونهاية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

                             *                            *                            *

هذه الدراسة التي أراها متواضعة في أحد دواوين الشاعر أوقفتنا على علاقة الشاعر بالأرض والوطن والمدن، والحياة والموت، من خلال تنوع في الفكرة، والأسلوب والعاطفة، وقدرة على تطويع الألفاظ حسب قدراته اللغوية المتعمقة، حاور نفسه وجَسّدَ وصاغ لنا قصائد بشكل متميز، وقد ابتعد عن المغالاة، واستخدم البسيط من الألفاظ، واقترب من لغة الناس، فتعامل مع كل مظاهر الحياة، عشق الحياة، ولكن الحياة التي تحفظ له كرامته وإنسانيته.

لم يعتمد الشاعر على بنية إيقاعية ثابتة، بل لوّن فيها حسب ما تقتضيه التجربة، وتناول من خلالها قضايا تمس الحياة، وتطرق لموضوعات جديدة، واستعان بالصورة الخيالية لتقوية المعنى، فبرزت ثقافته المتنوعة وانتماؤه للغة العربية.

اعتمد في القصيدة على اللفظ والمعنى، لم يلغ المعنى من أجل اللفظ، ولا اللفظ من أجل المعنى، ولكنه زاوج بينهما، وغلّب المعنى على اللفظ على اعتبار أن اللفظ يأتي بعد المعنى، وهذا نابع من رؤاه للواقع بكل اتجاهاته وألوانه.

الوطنية جزء من تكوين الشاعر، ولا أظن شاعرًا في فلسطين لا ينتمي إلى هذه الخصيصة، لأنها عنوان إبداع الشاعر، وطريق لشعره بين الناس.

وهكذا، ومن خلال هذا الديوان ودواوين الشاعر وإبداعاته المتوثبة، وإمكانية اللغوية القوية، وخياله الحي الوثاب، وذوقه المميز، تسنى لنا أن نرى قصائد بحق منفردة في مضمونها، ذات أبعاد ورؤى متميزة وغير مسبوقة، وهنا مكمن الجمال والإبداع الذي يتميز به الشاعر فاروق مواسي.

 

   يحيى زكريا الآغا :  إضاءات في الشعر الفلسطيني المعاصر، دار الحكمة، خازن يونس- 1998 ، (  ص 188 233 )

 

عودة للسابق