الظاهر والمضمر في نص " الملك الحكيم " لجبران
النص
الملك الحكيم[1]
كان في إحدى المدن النائية ملك جبار حكيم، وكان مخوفًا لجبروته محبوبًا لحكمته.
وكان في وسط تلك المدينة بئر ماء نقي عذب، يشرب منها جميع سكان المدينة من الملك وأعوانه فما دونه ،لأنّه لم يكن في المدينة بئر سواها.
وفيما الناس نيام في إحدى الليالي جاءت ساحرة إلى المدينة خلسة ، وألقت في البئر سبع نقط من سائل غريب وقالت:
" كلّ من يشرب من هذا الماء فيما بعد يصير مجنونًا."
وفي الصباح التالي شرب كل سكان المدينة ، وجنّوا على نحو ما قالت الساحرة. ولكن الملك والوزير لم يشربا من ذلك الماء.
وعندما بلغ الخبر آذان المدينة طاف سكانها من حي إلى حي ومن زقاق إلى زقاق وهم يتسارّون قائلين:
" قد جنّ ملكنا ووزيره. إن ملكنا ووزيره قد أضاعا رشدهما. إننا نأبى أن يملك علينا ملك مجنون. هيا بنا نخلعه عن عرشه!"
وفي ذلك المساء سمع الملك ما جرى فأمر على الفور بأن يملأ حق ذهبي (كان قد ورثه عن أجداده) من مياه البئر. فملأوه في الحال وأحضروه إليه. فأخذه الملك بيده إلى فمه. وبعد أن ارتوى من مائه دفعه إلى وزيره فأتى الوزير على ثمالته.
فعرف سكان المدينة بذلك ، وفرحوا فرحًا عظيمًا جدًا لأن ملكهم ووزيره ثابا إلى رشدهما.
مستهل القول :
ثمة قصص فيها عنصر الغرابة أو النكتة- بالمعنى الدقيق للكلمة- يتلقاها المتلقي، فتثير لديه آراء متباينة حول فهم فحوى النص أو مُرْسَلته.
ولما أن كان فهم الفحوى أو المرسلة هو الأساس في معالجة القصة أو الحكاية – وكم بالحري تلك التي تدور في أجواء غريبة ، أو تتم الأحداث فيها بما لا يتفق والواقع- فإن دراسة نص واحد يمكن أن تلقي الظلال على طريقة معالجة نصوص أخرى على غرارها .
وفي ذلك إثراء لتجربة الدارس ، وإفادة في تدبر النص واستيعائـه.
وهذه الدراسة تحاول أن تتبين مُرْسَلة نص " الملك الحكيم" لجبران خليل جبران ( وهو نص متداول في كتب التدريس )، حيث يتسم بالجو الأسطوري والغرابة الموظفة على مستوى الترميز.
وسؤال البحث فيها نركزه في السؤال:
هل الملك كان حكيمًا حقًا لأنه شرب من ماء البئر ، بعد أن وضعت الساحرة فيها السائل؟ وهذا هو الظاهر في النص .
أم أن الكاتب كان يسخر من هذه " الحكمة "، وأراد أن يغمز، ويدلل على انهزام الملك أمام رعيته؟ وهذا هو المضمر .
وما كان هذا السؤال يستلزم بحثًا لو أن الإجابة كانت بيّنة، فكثيرًا ما نوقش هذا السؤال بين أساتذة اللغة، كذلك فإن الدراسات المختلفة التي تناولت أدب جبران لم توضح المرمى من وراء هذا النص، بل لم تكن الإجابة شافية أو مدروسة في كل عرض لها أو إلماح لها هنا وهناك.
ويكتسب الاهتمام بسؤال البحث أهميته ثانيًا، لاعتماده دراسة مادة تتعلق بالنواحي العملية في تربيتنا اللغوية والأدبية وفي مناهجنا ، وهذا له ما يبرره، خاصة ونحن نجعل من "فهم المقروء" مطلبًا مركزيًا بعد كل قراءة.
قراءة
سائدة :
كثيرًا ما درس الطلاب هذه النص المعرب[2] لجبران خليل جبران، وفهموا أو أُفهمواأن المقصود بالوصف -" الحكيم" هو السخرية بالملك ، وأن وصفه " الحكيم" هو من باب المفارقة.
وكان اعتمادهم في أثناء النقاش على واحدة مما يلي:
* - إن سلوك جبران ورسالته في الأدب سلوك رافض للمؤسسة - عامة - وللخطاب المستسلم – خاصة - ، وهذا يحتّم موقفًا معارضًا لا منقادًا لمشيئة السكان .
لقد حُكم على سكان المدينة أن يُجنّوا بعد وضع سبع نقط من سائل غريب ، وضعتها الساحرة في بئر الماء الوحيدة في هذه البلدة النائية .
من هنا فإن السكان كانوا في وضع لا يمكنهم فيه أن يؤيدوا أو يرفضوا ؛ بينما كانت إمكانية القرار حسب النص - بيد الملك .
ويفترض أصحاب هذا الرأي ألا ينساق الملك لمصير السكان ، أو لإرادتهم التي شاءوا أن يسير الملك وفقها – فيما بعد – .
وهم يفترضون أن جبران لا يمكن أن يدعو إلى مثل هذه الحكمة الاستسلامية . خاصة وأن جبران في كتابه " المواكب " مثلاً يصف ( أخا الأحلام ) المثالي- في نظره – بأنه ذلك الذي لا يستسلم ولا ينقاد لما هو عليه الجمهور :
فإن رأيت أخا الأحلام منفردًا عن قومه وهو منبوذ ومحتقر
فهو النبي وبرد الغد يحـجبــه عن أمة برداء الأمس تأتـزر
وهو الغريب عن الدنيا وساكنها وهو المجاهرلام الناس أم عذروا
وهو الشديد وإن أبدى ملاينةً وهو البعيد تدانى الناس أم هجروا[3]
وهذه الأبيات تدل على ثبات المثالي على معارضة ما هو قائم ومألوف . وتبعًا لذلك ، لا يمكن أن يكون المقصود بالحكيم هو المعنى الفعلي ، بل جاء المعنى ليدلل على سخرية جبران من مثل هذه الحكمة . فالملك في ظاهر الحكاية ممالئ منقاد ، وهذا يخالف طبيعة الرفض لدى جبران – كما تمثل في أدبه عامة .
* إن " الحكيم " هو وصف وارد على رأي الجمهور ، وليس على رأي جبران، ذلك لأن الجمهور يهاب الملك ، ويخافه لحكمته . وتبعًا لذلك فإن العنوان متعلق بإدراك السكان لتماثل الملك مع متطلباتهم .
أما جبران فلا يعتبره حكيمًا إطلاقًا ، بل يسخر منه – في مجمل النص .
* إن النهاية يمكن أن تكون مفتوحة، فهو حكيم وجبار معًا، ولذا يمكن أن يفسر النصّ على وجهين ، أسوة بكل نص ذي قيمة أدبية، حيث يفسح مجالاً للمتلقي بأن يتصور النتيجة كما يحلو له، ومن حق القارئ في هذه الحالة أن يرى في سلوك الملك نقدًا من قبل الكاتب العليم بكل شيء الذي لا يرى مبررًا لسلوكه هذا ، إلا النفاق وممالأة المجتمع، بل إن الملك طلب من وزيره أن ينهج نهجه ، حتى لا يظل للجمهور ادعاء ما ضدهما.
وبالطبع فهذا الاحتمال الثاني يفسح المجال للرأي القائل بأن الملك هو حكيم فعلاً ، لأنه دارى وجارى في سبيل مصلحته وحفاظًا على عرشه. وهذا هو الرأي الذي تحاول هذه الدراسة أن تثبته .
حكمة الملك
تعمد هذه الدراسة إلى إثبات حكمة الملك من خلال النص لا من خلفياته ، وترى أن جبران كتب هذا النص -عن سابق قصد – ليشير إلى حكمة الملك – حتى من خلال لجوئه إلى "الجنون ":
فالعنوان هو الملك الحكيم، والعنوان هو قاطع مركِّز ، ويعبّر عما في داخل النص. فهو لم يضع علامة تعجب أو علامة استفهام، كما لم يضع لفظة (الحكيم) بين قوسين أو مزدوجين ، كم لم تكن هناك أية كلمة موجهة أو ماكرة من شأنها أن تعكس الدلالة .
وأية من هذي – التي ذكرنا - يمكن أن توجه إلى فهم النص بطريقة يشتمّ منها طابع السخرية أو التساؤل، أو على الأقل تدعونا لفهم الفحوى بطريقة مغايرة .[4]
ثم إن الكاتب في بداية الحكاية يقول:
"كان في إحدى المدن النائية ملك جبار حكيم، وكان مخوفًا لجبروته محبوبًا لحكمته"
وبالطبع فإننا نلاحظ التأكيد على الوصف ( حكيم ) الذي يكرره ثانية بعد العنوان، وأنه بسبب حكمته كان محبوبًا. وهذا التوضيح في تقرير المعنى – كما في تقرير كون المدينة نائية - بأن الملك هو جبار وحكيم لا يدع أي لبس للتساؤل حول إمكانية المفارقة هنا. خاصة وأن الملك كان جبارًا، وكان مخوفًا ، وكان بإمكانه أن يثبت على رأيه أو حاله، فلا يشرب ، ويظل متحديًا لفترة معينة، رغم معرفته أن الأهالي كانوا يتسارون ،ويحاولون فيما بينهم أن يخلعوه عن عرشه.
ونحن لا نعلم كيف يمكن أن تؤول الأحوال فيما بعد لو أنه ثبت على رأيه وحاله ، وامتنع عن شرب ماء البئر - خاصة إذا علمنا أنه مخوف وجبار من جهة ، وأن الجمهور قد أخذ يتمرد عليه من جهة أخرى...
حضرت الساحرة إلى المدينة ، وألقت السائل الغريب في البئر الذي يجعل كل شارب من البئر بعدها مجنونًا، وبالطبع ، لم يكن الملك والوزير على بيّنة بما فعلته الساحرة، شأنه شأن السكان الذين جهلوا جلية الأمر بسبب أنهم كانوا نيامًا لدى حضور الساحرة ، وتبعًا لذلك فالملك لم يعلم بقول
الساحرة :
" كل من يشرب من هذا الماء فيما بعد يصير مجنونًا".
لكنه كان يعلم بما أخذ الناس به يتسارون ، ويعلم أن الخطر محدق به وبوزيره ، لذا كان قرارهما الأول – أن يشربا من ذلك الماء.
ولعل سائلاً يسأل: كيف لنا أن نؤكد أن الملك ووزيره كانا قد قررا أصلاً أو قبلاً الامتناع عن مياه البئر ، وهي الوحيدة ، ومدينتهم نائية ؟
وهل هما عرفا مصير السكان أو جنونهم ؟ وكيف عرفا أن السبب هو ماء البئر ؟
ليست لدينا إية إشارة في النص تدلنا على الإجابة .
لكنا نعلم من خلال ما ورد في النص أنه هو ووزيره كانا على علم بما يتسارّ به الناس
" إن ملكنا ووزيره قد أضاعا رشدهما...." .
ولذا أخذ الملك يدبر الأمر ، حتى يتخلص من خطر محيق.
وهنا نجد فجوة في النص[5] ، نستنتجها – أن الملك علم بسر الماء بطريقة أو بأخرى ، وإلا فما هو المبرر لاتخاذه قرار الشرب ، وأمره أن يملأ له الماء .
ولما أن كان قول الساحرة جرى بينها وبين نفسها- وهذه فرضية استلزمها حدوث الفعل وقت نومهم -، فإنه يبقى لدينا السؤال:
لماذا يمكن أن يمتنع الملك ووزيره عن بئر الماء الوحيدة في هذه المدينة؟
وبالطبع ، فليس ثمة مبرر منطقي لعدم لجوئهما إلى ماء البئر.
ويبقى لدينا التصور الوحيد - والنص لا يتيحه إلا من خلال ملء الفجوات –أن الملك علم بما قالته الساحرة، وعلم بما اضطر إليه الناس، وأنه يتابع ما يجري ، وليس على غفلة من الأمر ، بدليل علمه بما يتسار به السكان من رغبة في خلعه هو ووزيره عن العرش .
وأيًا كان التصور فإن الملك - بعد أن رأى بداية التمرد على حكمه - أمر على الفور أن يملأ له حق ذهبي ( كان قد ورثه عن أجداده) من مياه البئر.
وبالطبع فإن اختيار الحق الذهبي الذي ورثه عن الأجداد هو مقصود في النص ،
فهو دال على اضطراره للحفاظ على هذا الموروث ، وعلى هذا الملك والثراء معًا.
شرب الملك، ولم يكتف بذلك، بل دعا وزيره لأن يشرب هو الآخر ، فأتى الوزيرعلى ثمالته.
ولفظة ( ثمالته) أيضا هي مقصودة بعينها ، وكأن الماء هو شراب مسكر، يتلذذ فيه الشارب ، وليست هذه المتعة الحقيقية متأتية إلا بسبب إدراكه أنه يحافظ على ملكه ووجوده.
وفي ختام النص نجد أن سكان المدينة قد عرفوا بأن الملك ووزيره شربا من ماء البئر. والسؤال هنا : كيف عرف الجمهور بذلك ؟
ليس لدينا من إجابة ، أللهم إلا أن نستنتج أن الملك تعمد أن يصل الخبر إلى السكان ، حتى تستمر هيبته ومكانته ، وحتى يظل على ما بدأ النص به " مخوفًا لجبروته، محبوبًا لحكمته ".
نعود إلى موقف السكان ، فنجد أنه يتراوح ضمن التسلسل التالي :
* السكان أولاً يخافون الملك الجبار ، ولكنهم يحبونه لحكمته.
* السكان يشربون من البئر ، ولا علم لهم بما جرى من أمر الساحرة ، يشربون لأنه ليست هناك بئر سواها، ولم يكن هناك ما يدعو إلى الامتناع عنها ؛ وهم يجنونّ - تبعًا لذلك.
* السكان يمكن أن يكونوا قد عرفوا أن الملك ووزيره لم يشربا عن سابق نيّة، فلذا كان موقفهم المعارض لهما. أ و ربما لم يعرفوا ، ولكنهم -وبسبب جنونهم – رأوا في العاقلين مجنونين .
* السكان يعلمون في ختام الحكاية أن الملك ووزيره قد شربا من البئر، وهذا يقوي الاحتمال الأول في النقطة السابقة ، وهم قد فرحوا فرحًا عظيمًا جدًا ( انظر المبالغة – في النص - للتعبير عن الرضا) لأن الملك ووزيره " ثابا إلى رشدهما "
الدفاع عن الجنون :
وردت قصة " الملك الحكيم " ضمن مجموعة جبران " المجنون " ، ويبدو أن جبران عمد إلى الدفاع عن الجنون ، وإلى تبرئته في أكثر من نص ؛ ففي مقدمة كتاب " المجنون " يقول
بوضوح :
" هكذا صرت مجنونًا ، ولكني وجدت بجنوني هذا الحرية والنجاة معًا : حرية الانفراد ، والنجاة من أن يدرك الناس كياني ، لأن الذين يدركون كياننا إنما يستعبدون بعض ما فينا "[6] .
يرى خليل حاوي في أثناء استعراضه لقصة "الملك الحكيم " بأن جبران " يحسب الجنون العام – والعادي بالتبعية حكمة ، وتصبح الحكمة جنونًا بانقلاب في القيم ...."[7] .
ويدافع جميل جبر في دراسته عن جبران عن هذا النهج الجنوني المبرر لدى جبران ، فيقول :
" الجنون هو الحس السادس ، نوع من الحدس لا يخطئ ، لأنه غريزي ، يخلي الوعي البشري من كل شائبة ، ويعده للامتلاء بالمطلق والاكتمال بالله . "[8]
ويضيف قائلاً : " ....لربما جعل المؤلف بطله مجنونًا ليصح فيه قول المثل السائر ( مجنون يحكي وعاقل يسمع ) ، أو لأن الجنون ، على زعمه ، هو أول خطوة نحو التجرد الرباني ، وهو يساعد في عرفه كما في عرف المدرسة السريالية على إدراك ما وراء نقاب العقل من أسرار ، وهل القصد من الحياة إلا الاقتراب من تلك الأسرار ؟ " [9]
و متابعة لفظة " الحكيم" في نصوص جبران لا تدل أنه في النص الواحد يعتمد أسلوب المفارقة. فثمة نص آخر ورد أيضًا في مجموعة " المجنون" تحت عنوان "الكلب الحكيم".
يقول فيه : " مر كلب حكيم ذات يوم بجماعة من السنانير......"
الكلب – في النص - يتصرف بحكمة ، وبما يوافق رغباته ، ثم ما يلبث الكاتب / الراوي أن يقول :
" فلما سمع الكلب الحكيم....... (ص 15). إذن ، هذا موقف من الكاتب ، يدل عليه تقرير الوصف .
ويورد جبران مثلاً آخر ورد في كتابه " رمل وزبد " يقول :
" الحكيم لا يقول ما يعرف ، والمجنون لا يعرف ما يقول."
ولعل هذا المثل أيضا ينطبق على حالة الملك الذي تصرّف بما لا يوافق آراءه وأفكاره ، ولكنه أراد أن يحافظ على كيانه ، فما كان منه إلا أن تصرف بما هو ليس في خالص وجدانه ومعرفته.
إنه – إذن - حكيم ، حسب رأي جبران ، حتى لو تدخلت في هذه الحكمة تساؤلات منطقية مثالية . والحكمة لا تلتزم – في نظر جبران - بالضرورة أن ينساق الفرد للجماعة ، فقد أورد جبران في المجموعة نفسها ( المجنون ) نصًا آخر فيه تماثل مع حكايتنا – من حيث علاقة الفرد بالمجموع -هو نص " المدينة المباركة" ، وجبران يروي الحكاية بلغة ضمير المتكلم" ، وسأوجزها :
علم الراوي عن مدينة معينة أن كل سكانها البالغين – أؤلئك الذين يحسنون القراءة - هم عور وقُطع .
حضر الراوي إلى المدينة العجيبة – وهو السويّ – فكان شكله مثار دهشتهم.
ثم ما لبث أن سألهم عن سر حالهم وسبب عاهاتهم ،فما كان منهم إلا أن أخذوه إلى الهيكل، حيث قرأ هناك آية من الإنجيل تطالبهم بأنهم – إذا بلغ الشر بهم مبلغًا- فعليهم أن يقلعوا عينًا وأن يقطعوا يدًا مصداقًا للآية :" لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يُلقى جسدك كله في جهنم"
ينهي الراوي الحكاية باستقلالية قراره ، حيث قرر الخروج من الهيكل خوفًا من اضطراره إلى مجاراة المجتمع في سلوكه ، فيقول : " أسرعت فغادرت تلك المدينة المباركة لأنني كنت بالغًا رشدي وقادرًا على قراءة الكتاب " [10] .
ولو أردنا مطابقة المصير هنا على قصة الملك الحكيم لكان على الراوي أن يفعل كما فعلوا ، وأن يتساوق مع السكان فيعور عينه ويقطع يده .
لكن لكل نص مرسلته وفحواه ، وليس بالضرورة أن نُعمل ما هو خارج النص في أثناء تحليل نص معين ، أو أن نُقحمه .
ومن جهة أخرى ، لو أراد جبران أن يجعل النص مفتوحًا لترك لنا فسحة للتصور ، فكان يمكن - مثلاً - أن يكون العنوان غير تقريري ، نحو : الملك وماء البئر أو – هل ظل الملك حكيمًا ؟....
أما عنوان " الملك الحكيم " فلا يعني إلا ما يدل عليه النص ، وهو حكمة الملك .
ولو أراد الكاتب غير ذلك لحذف أيضًا من السطر الأول أنه كان حكيمًا ، وأنه " كان..... محبوبًا لحكمته " .
إن سلوك الملك الذي كان مخوفًا لجبروته محبوبًا لحكمته ، ومعرفته ما يدور بين رعيته ساقه إلى حكمة التصرف تبعًا لمقتضى الحال ، فطلب الحق الذهبي بالذات الذي ورثه عن أجداده ليشرب منه ، حتى يحافظ على كيانه وملكه . وهذه هي حكمته التي أوردها جبران في كتاب المجنون .إنه يتعمد التأكيد - أننا بالجنون قد نصل إلى مراتب السمو والبقاء .
نصان مماثلان : أسطورة صينية ، والآخر لتوفيق الحكيم :
حتى تكتمل الصورة فمن الجدير أن أعود إلى نصين مماثلين يشيان بما ذهبت إليه : أحدهما قديم ، والآخر حديث :
أما النص القديم الذي وقع بين يدي فهو أسطورة صينية ، تحت عنوان " الماء الذي شرب منه الجميع " ، وقد نشر هذا النص محمد سالم من دمشق - في مجلة الرسالة[11] ناقلاً إياه عن كتاب كيزلي معبد ( ص 127 ) للكاتب التركي عمر سيف الدين .
والقصة / الأسطورة تتلخص فيما يلي :
" كان لينغ يو ملكًا عادلاً حكيمًا ، توفر في أيامه الهناء للرعية ، فجاءه في أحد الأيام ساحر وأعلمه أن أمطارًا غزيرة ستهطل مدى أيام ، وكل من يشرب ماء خالطته قطرة من هذه الأمطار يصبح مجنونًا لا محالة ، فأمر الملك بملء صهاريج القصر وكل ما فيه من أوانٍ ماء نقيًا عذبًا ، لينجو من شرب الماء المسبب للجنون ...وبعد أيام بدأت الأمطار بالتهاطل ، ودام انهمارها أيامًا وأسابيع .....فخالط ماؤها ماء الينابيع والآبار ، فجن السكان كلهم وانتشروا في الأزقة والساحات يصيحون ويصرخون ، وتجمع قسم منهم حول قصر الملك ، وأخذوا يسخرون منه ومن صحبه الذين ظلوا عقلاء حتى تلك الساعة بفضل الماء المخزون في صهاريج القصر ، فكان إذا بدا واحد من سكان القصر في إحدى الشرفات صاحوا بصوت واحد قائلين : ( مجنون ! انظروا المجنون ! ) ، وأصبحت الحالة لا تطاق ، فلم ير الملك بدًا من أن يشرب هو أيضًا من ماء الجنون ، فتناول منه قدحًا وهو يقول - لا لزوم لبضعة عقول صحيحة مع هؤلاء المجانين "
فهذه الأسطورة الصينية ( وربما هي واردة كذلك في لغات أخرى ) تشير تمامًا إلى اختيار الملك مصيره المشارك لمصير رعيته ، وهو يرى ذلك حكمة ، فلا لزوم لعقل صحيح " مع هؤلاء المجانين " .
ويبدو أن الآداب العالمية تأخذ عن بعضها البعض ، ولا بدع أن نرى شدة التشابه بين الأسطورة الصينية وبين حكاية جبران ، وقد يكون هذا مدار بحث لموضوع في هذا المجال[12] .
وينطبق ذلك على نص توفيق الحكيم أو مسرحيته " نهر الجنون " [13] ، وهي مسرحية يدخل الصراع فيها أو الدراما حتى يكون مبرر لمسرحتها ، فالملك لا يقبل أن يشرب إلا بعد تردد ، وسأقتبس السطور الأخيرة التي تدل على هذا التردد ، حيث تؤدي نهاية المسرحية إلى نفس النتيجة - شُرب الملك ومشاركتُه بما قام به الناس ، غير أننا نلاحظ هنا أن الوزير كان قد سبقه إلى الشرب ، وكان عاملا مساعدًا في إقناع الملك بأن يشرب :
الملك : ..... وأما العقل فماذا يعطيني ؟
الوزير : لا شيء ..إنه يجعلك منبوذًا من الجميع ...مجنونًا في نظر الجميع ؟!
الملك : إذن فمن الجنون ألا أختار الجنون ؟
........ بل إنه لمن العقل أن أوثر الجنون .
الوزير : هذا لا ريب عندي فيه !
الملك : ما الفرق إذن بين العقل والجنون ؟
الوزير ( وقد بوغت ) انتظر ! ( يفكر لحظة ) لست أتبين فرقًا !
الملك ( في عجلة ) : علي بكأس من ماء النهر !
ومرة أخرى يثار السؤال : إلى أي مدى تأثر الحكيم بنص جبران أو بنص الأسطورة ؟
ومن نافلة القول أن أؤكد أن هذا الموضوع ليس صلب دراستي ، وما ذكرت ذلك إلا لأدلل على طريقة فهم النص أو فهم المقروء ، وذلك من الحكاية نفسها وبأثواب مختلفة .
ومع ذلك ، يجدر بكل من لا يؤيد هذا السلوك الملكي - على المستوى التربوي والأخلاقي - أن يطرح أسئلة مفتوحة للقارئ بعدها ، كأن يسأله عن صحة هذا الموقف أو خطئه ، أو أن يسأله: هل يتساوق هذا النص ونصًا آخر من كتابات جبران ؟
أو لو كنت مكان الملك كيف كنت تتصرف؟
أو أن يعمد القارئ إلى أمثال فصيحة أو شعبية مما يدعو الى المسايرة وممالأة الواقع[14] وإلى أمثال أخرى تدعو إلى تحدي السائد ومناهضة الخطأ...وهما وجهان قائمان في المجتمع – بلا خلاف ، وكلاهما مثار حوار.
وأيًا كانت هذه الفعاليات فهي تدور حول النص وتناقشه ، وتحاول أن تجعل منه مدعاة
لإثارة الأفكار ، ولإثراء القارئ - حتى لو عز عليه أن يكون الملك حكيمًا حقًا ، أو أن يكتب جبران نصًا يوجب التكيف والمجتمع في هذا النص - على غير ما عهدنا فيه – عامة .
ملحق
الأصل بالإنجليزية
The Wise King
Once there ruled in the distant city of Wirani a king who was both mighty and
wise. And he was feared for his might and loved for his wisdom.
Now, in the heart of that city was a well, whose water was cool and crystalline,
from which all the inhabitants drank, even the king and his courtiers; for there
was no other well.
One night when all were asleep, a witch entered the city, and poured seven drops
of strange liquid into the well, and said, "From this hour he who drinks this
water shall become mad."
Next morning all the inhabitants, save the king and his lord chamberlain, drank
from the well and became mad, even as the witch had foretold.
And during that day the people in the narrow streets and in the market places
did naught but whisper to one another, "The king is mad. Our king and his lord
chamberlain have lost their reason. Surely we cannot be ruled by a mad king. We
must dethrone him."
That evening the king ordered a golden goblet to be filled from the well. And
when it was brought to him he drank deeply, and gave it to his lord chamberlain
to drink.
And there was great rejoicing in that distant city of Wirani, because its king
and its lord chamberlain had regained their reason.
![]()
- جبران ، جبران خليل : المجموعة الكاملة لمؤلفات جبران المعرّبة ، ص 20 .[1]
The Mad Man, p. 18 2 - هذا النص مأخوذ من كتاب المجنون ( جزء من المجموعة الكاملة ) ، والأصل هو ) وجعل المترجم لفظة الوزير للفظة wirani انظر النص بالإنجليزية في الملحق ، ويلاحظ هناك أن المدينة تحمل اسمًا (
. وقد جعل المترجم ( بشير ) الوزير يشرب " وقد أتى على ثمالته "( وهذه زيادة عن الأصل) = كبير الأمناء ( Lord chamberlain(
- جبران ، جبران خليل : المجموعة الكاملة لمؤلفات جبران العربية ، ص 346 – 347 .[3]
4--يقول بسام قطوس : " العنوان هو أول ( شيفرة رمزية ) يلتقي بها القارئ ، فهو أول ما يشد انتباهه ، وما يجب التركيز عليه وفحصه وتحليله ، بوصفه نصًا أوليًا يشير أو يخبر أو يوحي بما سيأتي ....... فالعنوان ليس عنصرًا زائدًا ، وإنما هو عتبة أولى من عتبات النص
وعنصر مهم في تشكيل الدلالة " ( انظر : سيمياء العنوان " ، ص 53 ) [4]
5 - -يقول هربرت هولب : " يذهب أيزر إلى أن القارئ يشكل وحدات كلية خلال عملة مشاركته في إنتاج المعنى ......إذ لا بد للنص أن يقود خُطا القارئ ما دام النص غير قادر على الاستجابة تلقائيًا لملاحظات القارئ وأسئلته ، والطريقة التي يمارس بها النص ضبط الحوار تمثل - من ثم – جانبًا من أهم جوانب الاتصال . ويعزو أيزر بنية الفراغات ( الفجوات ) إلى هذه الوظيفة التنظيمية الرئيسة "
( انظر : نظرية التلقي ، ص 215 – 219 )[5]
- المجموعة الكاملة المعربة ، ص 9[6]
- حاوي ، خليل : جبران خليل جبران ، ص 217 .[7]
- جبر ، جميل : جبران في عصره وآثاره ، ص 94 .[8]
- م . ن .[9]
9- المجموعة الكاملة المعربة ، (ص 28 )
- مجلة الرسالة السنة الثالثة ، العدد 86 فبراير1935 ، ويقول المعرب إن الكاتب كان قد نشر الأسطورة عام 1910 –( نشر جبران كتابه سنة 1918 . ) [11]
12- من الجدير أن أذكر هنا أن باولو كويلو في روايته فيرونيكا تقرر أن تموت ( ص 45-46 ) يفيد من الحكاية فيجعلها على لسان ( زيدكا في حوارها مع فيرونيكا ) ، ونحن بالطبع نلاحظ الاختلافات بين كل نص ونص مما يؤكد على ضرورة النقد المقارن في هذه الحكاية :
" كان في سالف العصر والأوان ساحر أراد تدمير مملكة بكاملها ، فدس جرعة سحرية في البئر التي يشرب منها السكان . وبات كل من يشرب منها يُجن .
في صباح اليوم التالي شرب جميع السكان من البئر فغدوا كلهم مجانين ، باستثناء الملك وعائلته ، إذ كانت لديهم بئرهم الخاصة ، وصعب على الساحر دس السم فيها . قلق الملك وحاول ضبط السكان ، فأصدر سلسلة من القوانين والتشريعات ترعى الأمن والصحة العامة . لكن رجال الشرطة والمحققين شربوا من البئر أيضًا ، فاعتبروا قرارات الملك سخيفة ، وتغاضوا عنها .
وعندما تناهى خبر هذه المراسيم إلى السكان تولدت لديهم قناعة بأن الملك جُن ، وأنه يصدر أوامر لا معنى لها ، فساروا نحو القصر مطالبين بتنحيـــته عن العرش .
وبعد أن يئس الملك قرر التنازل عن العرش ، لكن الملكة ردعته قائلة : " فلنشرب من البئر العامة ونصبح مثلهم حينئذ " تم الأمر ، وشرب الملك والملكة من بئر الجنون ، وبدأا على الفور بالهذيان ...تاب إذاك أعوانهما ، وفكروا في ما يغدقه عليهم الملك من حكمة ، فلمَ لا يدعونه يتابع حكمَـــه إذن ؟
وعاش أهل البلاد حياة هنيئة ، مع أن سلوك سكانها اختلف تمامًا عن سلوك السكان المجاورين ، وظل الملك قادرًا على الحكم حتى آخر أيامه ."[12]
- الحكيم ، توفيق : المؤلفات الكاملة ( المجلد الثالث ) ، ص 244 – 248 .[13]
[14] - على غرار المثل : في بلاد العوران إعور عينك ! أو : حط راسك بين الروس ....
المصادر
جبر ، جميل : جبران في عصره وآثاره ، مؤسسة نوفل ، بيروت – 1983 .
جبران ، جبران خليل : المجموعة الكاملة لمؤلفات جبران المعرّبة ، تعريب الأرشمندريت
أنطونيوس بشير ، ( لم تذكر أية تفاصيل ) .
.............. : المجموعة الكاملة لمؤلفات جبران – العربية ، تقديم وإشراف ميخائيل نعيمة
، ( لم تذكر أية تفاصيل ) .
حاوي ، خليل : جبران خليل جبران ، ( نقله إلى العربية سعيد الباز ) ، دار العلم للملايين ، بيروت
– 1982 .
الحكيم ، توفيق : المؤلفات الكاملة ، ( المجلد الثالث ) ، مكتبة لبنان ، بيروت – 1994 .
( ص 244 248 )
قطوس ، بسام : سيمياء العنوان ، مطبعة البهجة ، عمان – 2001 .
كويلو ، باولو : فيرونيكا قررت أن تموت ، ط 3 ، ترجمة رنا الصيفي ، شركة المطبوعات
للتوزيع والنشر ، ، بيروت – 2004 .
هولب ، روبرت : نظرية التلقي ، ( ترجمة عز الدين إسماعيل ) ، كتاب النادي الأدبي الثقافي بجدة
- 1994 .
مجلة الرسالة ( القاهرة ) ، فبراير 1935 .
Jibran , Khalil : The Mad Man , Knopf company – New York – 1918 .